هكذا قصف “التهامي” جبهات من أشاعوا نبأ وفاته عبر منصة “الشيخ جلال”

هكذا قصف “التهامي” جبهات من أشاعوا نبأ وفاته عبر منصة “الشيخ جلال” الشيخ ياسين التهامي، تصوير محمد فكري
تصوير: محمد فكري:

لم يسلم الشيخ ياسين التهامي، من شائعات الموت التي طالت السواد الأعظم من المشاهير مثل الفنان عادل إمام، والرئيس السابق محمد حسني مبارك، وتم تكذيبها فيما بعد رغم انتشارها كما تسري النيران في الهشيم بفعل صفحات التواصل الاجتماعي، التي راحت تتناقل الخبر ومنها إلى بعض المواقع الإليكترونية، ومعها راح السؤال يتردد بين المتصوفة في دشنا وخارجها، هل يواصل التهامي التغريد وعزفه المنفرد والمتفرد من فوق منصة الشيخ جلال الدين الكندي الدشناوي لأكثر من 20 عامًا؟

حضر الشيخ ياسين التهامي مدينة دشنا التي وصفها الشيخ أحمد رضوان في الستينيات بأنها “عشش الأولياء والعارفين”، ليقطع الشك باليقين، ولتكتمل زينة المولد النبوي الذي يحتفل بليلته الكبيرة المئات من المتصوفة من دشنا وخارجها في السادس من ربيع الأول من كل عام بحضور سلطان المداحين الذي يعد بمثابة فاكهة المولد وأيقونته.

تكدس المئات داخل ساحة العارف بالله الشيخ جلال الدين الكندي الدشناوي، وبخاصة عقب صعود “بلبل المدح” المنصة الذي تعود على اعتلاء سرجها، وتنظيم مجلس الذكر مع المنظمين قبل عدة سنوات، وعندما تيقن أن كل شيء في مكانه الصحيح بدأ بقصيدة للإمام الشافعي استهلها بأبيات: إني تأملت الزمان وفعله.. فوجدته في فعله كالمنخل.. يعلو النخال على الدقيق سفاهة.. ويحط لب لبابه من أسفلِ كطبيعة الميزان في أفعاله.. تدنو الرواجح والنواقص تعتلى، وكأنما أراد أن يبرهن لمن أشاعوا نبأ وفاته إنه ما يزال في حنجرته أحبال تستطيع من خلالها سلب الألباب، وفي عمره أيام سيظل واهبًا إياها لعشاق المدح الصوفي الذي يكتمل صفو روحها بحضور ابن قرية الحواتكة بمنفلوط.

المؤثرات الصوتية وقفت في صف ابن التهامي في هذه الليلة فرغم انتشار العشرات من شاشات العرض والسماعات الضخمة التي كانت تنقل بثًا مباشرًا للمديح في ساحة الكندي لضيوف الرحمن داخل الخدمات التي ازدادت بشكل غير مسبوق هذا العام، فلم يصل الصوت لهم بالنقاء الذي يعرفونه عن الشيخ ياسين، فراح العشرات يتوافدون صوب الساحة للاستماع “لايف” للشيخ” رغم تكدس العشرات على الأسوار والمئات وربما الآلاف داخل الساحة بانتظار عودة الشيخ للمديح بعد فترة الإستراحة التي طالت مدتها على غير المعهود.

دقات الساعة تعلن الثانية بعد منتصف الليل، نسمات الليل الباردة تدعو الضيوف للرحيل، قبل أن يعلن صوت المذياع الداخلي عودة المداح للإنشاد، ظن الغالبية أن عمر الليلة ربما لن يتجاوز الدقائق يختمها الشيخ بأبيات قصيرة من قصيدة سماعي، بيد أن التهامي عاد لمنصته كما لو كان شابًا في ريعان شبابه وكأنه تناول إكسير الحياة في فترة الاستراحة، وراح يوزع الابتسامات على الحضور وكأنما يدب فيهم النشاط ليعيدهم لحياة المديح مرة أخرى منشدًا في همة ونشاط وكأنه ينفي خبر موته بكلمات قصيدة “عيني لنفسك” منشدًا: عيني لنفسك نُزهت في ذاتها.. وتقدست في اسمها وصفاتها.. فاشهد لها ما تستحق ولا تقول نفسى استحقت حسنها بثباتها”.

رسائل الرجل السبعينى لم تتوقف وراح يتمايل بجسده في تناغم مع حلقات الذكر الذي دب فيهم النشاط كأنهم خلية نحل أو عمال يومية يعملون بهمة قبل أن تنال منهم القيلولة، وكأنه يعيد للأذهان ياسين التهامي المداح الشاب الذي يحاول بكل ما أوتي من قوة إثبات نفسه في وقت كان فيه الشيخ أحمد التوني، متربعًا على عرش المديح الصوفي، فبدل من السماعي للإيقاع بقصيدة “ينادي المنادي”، فأنشد وهو يشير بيده للمتواجدين بحلقة علامة الإشادة والرضى: “ينادي المنادي باسمها فأُجيبه.. واُدعو ذاتي علها لي تجيبُ.. وما ذلك إلا أننا روحُ واحدٍ.. تداوى لنا جسمانُ وهو عجيبُ”.

عقب اختتام الليلة طلب التهامي عبر المايك عدم مضايقته وتركه لحال سبيله، في الحقيقة لا  أجزم هل كانت هذه الرسالة الأخيرة لمروجي الشائعات أم لمنع محبيه من عشاق الصور السيلفي والأحاديث الجانبية؟ وراح يسلم على الدراويش الذين رافقوه مترجلاً مع المئات لمضيفة صديقة ومن كان بوصلته إلى دشنا الراحل الشيخ خميس مصطفى، معلنا انتصاره في حرب لم يكن مجبرًا على خوضها من الأساس.

الوسوم