لا أحبذ الكتابة عن الأشخاص الذين فارقونا، لأني أؤمن بفكرة أنهم كانوا الأولي من غيرهم بتصفح هذه السطور في حياتهم، ولكننا تعودنا وعودتنا الحياة أن لا نشعر بقيمة الأشخاص والفراغ الذي يتركونه سوي بعد رحيلهم، ولأجل الرجل الذي عشق التودد والتقرب إلى الله من بوابة زيارة عتبات أوليائه الصالحين، حتى وافته المنية في العشر الأواخر من الشهر الكريم، سأعرفكم اليوم بملامح من شخصية الراحل الحاج رفعت محمد عباس ربيعي، المعروف لدى العامة بالمعلم رفاعي أبو بكر، أو “أبو شناب”.

هكذا كان يلقبه الأهالي في مدينة دشنا، نسبة لشاربه الكثيف والكبير الذي كان يحرص على الاعتناء به حتى أصبح أحد الملامح الرئيسية من شخصيته، “شناب يوقف عليها الطير” هكذا كان يداعبه أصدقائه، بينما يردد البعض مداعبًا الرجل الذي عرف بخفة ظله: “أومال عاد شناب ولا شناب دياب بن غانم” نسبة إلى شخصية الفارس دياب بن غانم الزغبي، وهي الشخصية الأشهر في السيرة الهلالية بعد أبوزيد الهلالي، وكان مشهورًا بشاربه العريض.

إذا كنت من رواد مدينة دشنا لابد إنك صادفته يومًا في شارع المركز، فقد كان أحد أشهر بائعي الخضروات أمام المدرسة الثانوية، وكان يحرص على الاعتناء بالفاكهة ورصها في شكل جمالي كما لو كانت لوحة فنية رسمها “دافنشي”، ربما كان رفض البيع حتى لا تفقد اللوحة جمالها، بينما يقف هو خلف بضاعته في خيلاء كما لو كان ملكًا متوجًا على عرشه، لا تفارقه الابتسامة ولا يعكر صفو مداعبته لزبائنه وضحكته التي كانت تجلجل “السويقة” سوي شرطة المرافق العامة التي كانت تقتلع الأخضر واليابس في طريقها لإخلاء الباعة الجائلين عنوة، من الشارع الذي يعد المتنفس الرئيسي للأهالي بدشنا.

لم يكن يخشى من مطالبة الضباط المكلفين بتنفيذ أوامر الإزالة بتوفير مكان بديل للباعة الذين لا يملكون مصدر رزق أخر ينفقون به على أسرهم التي تنتظرهم لسد أفواه البيوت التي تستنزف أخر جنيه في سيالتهم، وكما هو الجواب الذي لا يتغير “إحنا بنفذ الأوامر وبنفرض النظام يا عم الحاج”، حتى محضر المخالفة كان يوزع عليهم بشكل عادل، ولم يتأثر بارتفاع الأسعار وظل محافظًا على رقم 101 جنيه.

الحاج رفاعي كان مهتمًا بالشأن العام للبلاد وشغوفًا بمتابعة أحداث الشارع السياسي وأخر مستجداته، لا ينكر أنه كان من أنصار الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ولكنه كان سعيدًا عقب قيام ثورة يناير آملا في تحسن الأوضاع المعيشية حاله حال الملايين من الشعب المصري، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وتدهورت الأحوال، وساءت الظروف الاقتصادية، قال لي ذات يوم “البلد دي ربنا مش هيصلح حالها طالما قلوب الناس مليانة غل وسواد”.

محاولات عديدة بذلها العم رفعت للإقلاع عن عادة التدخين، وفي كل مرة يقابلني، يقول لي أعمل إيه كل ما أبطلها أرجع لها تاني علشان أنفخ فيها غلب الأيام ومرارتها، بس مسيري هبطل أشربها، تنفيذًا لتعليمات جميع الأطباء الذين زرت عياداتهم.

ذات مساء كنت بصحبته بحكم عملي في محل أبي، وهو أحد أقدم دكان لبيع شرائط الكاسيت، ربما على مستوى الجمهورية، وكنا نستمع لحفلات من السيرة الهلالية بصوت الشاعر عم جابر أبوحسين، الذي كان لا ينافسه في عشقه سوي كوكب الشرق، وصوت الشيخ قاسم الدشناوي، الذي كان يلقب بصاحب الحنجرة الذهبية، ولكنه كمثل العديد من المواهب التي يزخر بها مجتمعنا لم ينل حظًا لدى أصحاب المقام الرفيع الذين يقطنون قاهرة المعز، ورغم اعتراف الجميع بإمكانياته المذهلة لم ينجح في الوصول للإذاعة لترتيل آيات الله، وظل صوته العزب حبيسًا لشرائط الكاسيت المسجلة من المناسبات التي كان يحيها، فاجئنا أذان الفجر، دعوته للصلاة في مسجد السادات الذي يجاورنا، قال لي صلي أنت وادعي لي أنا لما ربنا يريد هسبق الشيخ اللي بيأذن للجامع.

تذكرت مقولته هذه بعد سنوات وجدته يتسابق للصلاة، تاركًا “الفرش”، وممسكًا بمسبحته التي كانت لا تفارقه، حريصًا على أداء الصلاة في المسجد في حينها، بيد أنه عاد للتدخين ومتابعة أخر ما آلت إليه الأحوال في الشارع السياسي، والتعلق بمقامات الأولياء الصالحين والحرص على زيارة أضرحة عبد الرحيم القناوي، والحسين والسيدة زينب.

الراحل الحاج رفاعي أبو بكر
الراحل الحاج رفاعي أبو بكر

كان للحاجة عسكرية بنت الشيخ خلف الله، غلاوة ومحبة كبيرة في قلب أبو هاني، وكان لا يفوت أسبوع دون أن يقوم بزيارة للمقام الذي يقبع في إحدى الأماكن الجبلية بمركز أبوتشت، ويقوم بإرسال كل ما يلزم للضيوف الذين يتوافدون بالمئات من شتى أنحاء المحافظة وخارجها، للتبرك بكرامات الشيخة التي قال لى أنها تحرص على مقابلة ضيوفها وعمل الولائم والوجبات وإطعام الزائرين وإعداد مبيت لهم بالساحة التي كان يقول إنها عمرانه دائمًا بالمحبين وبركات الصالحين.

ضرب معي عدة مواعيد لزيارة المقام، وعمل حوار صحفي مع الحاجة التي رحبت بشدة إكرمًا لمنزلة العم رفاعي، حتى أن الشيخة العجوز، إكراما لمنزلته وضعت له صورة كبيرة وهو بجوارها في صحن المقام، الذي كان يمثل البيت الثاني للراحل وكان حريصًا على أن يصطحب أبنائه ومحبيه للمقام والاغتسال بماء البئر الذي قال أنها تشفي العليل من أوجاعه.

استوقفني منتصف شهر رمضان قبل الماضي، وأنا في طريقي للذهاب للجريدة: “بص ياعم الحاج فيه حاجتين لازم تنفذهم ومش هقولك عليهم تاني، الأول أخدك تعمل حوار صوحفي في مقام الحاجة عسكرية، وبعدين تصلح لي الراديو علشان أسمع عليه إذاعة القرآن الكريم”.

في أحد أيام العشر الأواخر من نفس الشهر، كان يرتجل العم رفاعي نحو مصلية مسجد السكة الحديد، للصلاة مجددًا رغم انتهائه على التو من أداء صلاة التراويح، كان يسعل بشدة، ويجر قدمه التي تثاقلت وكأنما سئمت من السعي مجددًا في الدنيا التي طالما وصفها بالكدابة، وتوقف قلبه عن النبض أمام باب المسجد، وكأنما راق له أن يلقى ربه أمام بيته، ورحل في صمت وهدوء كما كان حاله في حياته.