للسفر إلى قاهرة المعز، استقليت القطار المسمى “vip” الذى ينطلق من وجه قبلي، كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة مساء، بسرعة يتحرك القطار دون انتظار الركاب بمحطة قنا، وكأنما راق له أن يبتعد قدر المستطاع عن بلاد الجنوب، كما يفعل الغالبية من أهلها حاليًا.

قبل أن يحكم عمال نظافة إغلاق ” الحمامات ” بالقطارعقب قيامهم بعملية التنظيف الدورية، ووضع المناديل الورقية فى أماكنها، حول العديد من الركاب “الحمامات” إلى مكان يعج بالفوضي ، علب المناديل فوق الشبابيك وعلي الأرضيات، وما تبقي منها تكدس في الجيوب الفارغة.

حل بدل الباعة الجائلين الذين لم يعودوا يبيعون فى القطار لخوفهم من المسائلة، شخص أنيق يجر عربة تحمل مخبوزات وساندويتشات اللحوم ، ويسأل “تشرب شاي حضرتك؟”، لكنه لا يتعامل بالفكة، التي لا محل لها من الإعراب في قائمة مأكولاته ومشروباته الباردة والساخنة.

الجدل لا يتوقف بين الركاب طوال الرحلة حول التكيف أحدهم يقول “حد يقفل التلاجة دي قربنا نتجمد” ويرد أخر “التكييف لو فصل القطر هيتكتم ونبقي زي علبة السردين يا حاج”، و يتدخل سائق القطار بإجراء استفتاء سريع بين الركاب ينتصر لأصحاب فكرة استمرار تشغيل التكييف.

غالبًا لابد أن تصادف أشخاص هوايتهم ” اللت والعجن” أصبح وجود بعضهم كأنه أمر حتمي علي الأقل واحدًا منهم لكل عربة، الركاب الذين لا يحملون تذاكر يتنقلون بين العربات في محاولة يائسة منهم للهروب من “الكمسرية”.

لم تجد محاولات عامل القطار اليائسة نفعا عندما حمل ممسحته وأنبوب صغير يحتوي علي معطر للجو يمطر الأرضية بالقليل منه بغية صرف رائحة الأحذية التي ملئت جنبات العربة، الغريب أن أحد الركاب نهر عامل النظافة بحجة أن ممسحته لامست أطراف ثوب زوجته، متناسيًا أن حذائه الملقي أسفل مقعده هو من استدعي  وجود العامل المسكين.

يفرك الركاب النعاس من عيونهم مع قرب الدخول لمحطة الجيزة، استعدادًا للنزول إلي قبلة غالبية الركاب محطة “رمسيس” الفوضي تعم القطار فضلات الطعام وبقايا أكياس شرائح البطاطس المقلية وزجاجات المياه الفارغة، الروائح الكريهة تزكم الأنوف.

القطار يصيح في غضب وكأنما يستعجل الركاب الانصراف بعد ثورة الفوضي التي أحدثوها به، ولم يعد من اللائق أن يُطلق عليه لقب “vip”.