فيديو| أقدم بائع ليمون في قنا يروي حكايته مع “فاكهة الغلابة”

فيديو| أقدم بائع ليمون في قنا يروي حكايته مع “فاكهة الغلابة” العم عبدالموجود وهو يفرز بضاعته من الليمون- تصوير: محمد فكري

كتب: مصطفى عدلي، محمد فكري

تضاريس وجه أسمر جنوبي تشي بحكايات شقاء طويلة لا تخطئها عين، يفترش جانب الطريق قبل أن تشرق الشمس على كوبري دشنا الرئيسي، ينهمك في فرز حبات الليمون في حجر جلبابه بعناية واهتمام يثير الفضول أحيانا.

الصوت الذي يخترق زحام الطريق بينما تلفح الشمس وجوه المارة، يرسم معالم وجه ستيني ألهمه روتين  عمره بالرضا بالقليل، وعندما التقيته كان لا يعبأ بحرارة الشمس، ويستمر في ندائه “خمسة جنيه يا لمون.. فيتامين وفاكهة الغلابة يا لمون”.

لم تتمكن أسرة العم عبد الموجود عبد الكريم، 66 عامًا، ابن قرية القناوية بقنا، أن ينل أحدها حظا من الدراسة والتعليم، بسبب ضيق ذات اليد، لذا قرر الالتحاق بـ”مدرسة أكل العيش”، وقرر النزول إلى السوق ليبيع ويشتري، ويتنقل بين محافظات الأقصر وقنا وأسوان فأصبح أهم وأصغر بائع ليمون في قريته عندما أكمل التاسعة من عمره، ولم تنقطع منذ ذلك الحين محاولاته الدائمة للبحث عن الرزق الحلال.

يروي ابن قرية القناوية حكايته مع “فاكهة وفيتامين الفقراء”: “الأهالي طلعوا عليها الاسم دا لأنه فاكهة لا غنى عنها في كل المواسم وتعتبر أحسن من الدوا والبرشام وتساعد في علاج الأمراض وفلوسها على كد الإيد”، هكذا لخص سبب إطلاق هذا المصطلح عليها.

أكثر ما يضايق عبدالموجود أولئك الذين يسخرون من باعة الليمون ويحقرون من شأنهم وتجدهم أول من يطلبون بضاعته، التي قال إنها أغلى من الفاكهة التي تستورد من الخارج، بالإضافة للأهالي الذين يعشقون “الفصال”، فتجدهم يدفعون المئات عند محلات الجزارة “يقف الواحد فيهم يفاصل في نص جنيه أو  ربع جنيه مع بياع الليمون اللى واقف في الشمس من صباحية ربنا”.

توقف عبدالكريم عن حركة البيع والشراء عندما وصل سعر الكيلو إلى 100 جنيه خلال شهر رمضان الماضي، “لما تمن الكيلو يبقى زي اللحمة وأغلى من الفراخ يبقى نبطل بيع أحسن لحد الحال ما يتعدل”.

عن سبب الارتفاع الذي يتكرر على فترات، يعتقد أنه بسبب الارتفاع لحالة الكساد التى ضربت السوق وأجبرت المزارع على تقليل حجم الإنتاج، لكن بعدها تم السيطرة على الوضع وانخفض سعر الكيلو ويباع حاليًا بـ10 جنيهات للبلدي، أما أقل سعر بلغه الليمون، فكان يباع بالثمرة الواحدة، وبلغ سعر الـ 100 ثمرة من الليمون 4 جنيهات فقط.

الحاج عبدالموجود عبدالغني بائع الليموت تصوير محمد فكري
عبدالموجود عبد الغني بائع الليمون- تصوير: محمد فكري

يتذكر أقدم بائع ليمون في قنا عندما أتى لمدينة دشنا لأول مرة عام 1967، كان كوبري دشنا الرئيسي مصنوع من الخشب، كان تجار الليمون يعرفوا بالاسم، وكان الجميع يحترمهم.

يتابع: الآن، تغير طباع الناس، فأصبح بائع الليمون مادة للسخرية “يمكن علشان البياعين كتروا وبقوا أكتر من الهم على القلب” حسب تعبيره، مشيرا إلى أن قرية القناوية التى تعد معقل تجارة الليمون في مصر جنبا إلى جنب مع الفيوم يوجد بها وحدها أكثر من ألف بائع، بعد أن كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليدين في السبعينيات.

يوضح عبدالموجود أن يومه يبدأ من الثالثة صباحًا بالحصول على الثمار من تجار الشادر وفرزها، وقبل أذان الفجر يحمل بضاعته على السيارة المتجهة من القناوية لدشنا وبعد قطع مسافة 27 كيلو متر يصل إلى كوبري دشنا، قبل أن تشرق الشمس ليفرز البضاعة ويفرشها في انتظار رزق الرحمن.

أما ما يعكر صفوه فهو شرطة المرافق العامة، خشية أن يحرر ضده محضر تعد على الطريق العام، رغم أنه يؤكد حرصه على عدم تعطيل المارة او الطريق. 

“ربنا كريم ورزقني بعد إنجاب 6 بنات بولد سميته عبد الكريم”، هكذا قال التاجر العجوز الذي ترى في ملامحه عنفوان الشباب وسماحة الوجه، متمنيًا أن يكون حظ ونصيب ابنه أفضل منه، وألا يعيش في “جلباب أبيه”، لأن هذه المهنة متعبة وتسرق سنوات العمر.

أما عن نفسه، فيقول إنه سيظل ينادي على الأهالى لشراء الليمون منه ما دامت تسرى في عروقه الدماء ويستطيع الوقوف على قدميه، منهيًا حديثه “ربنا يستر العقب ويرزقنا الستر والصحة”.

العم عبدالموجود ونظرة مجهولة للمستقبل تصوير محمد فكري
العم عبد الموجود حكايات لا تنتهي عن بيع الليمون- تصوير: محمد فكري
الوسوم