عاطف عطيت الله يكتب عن الأوقاف .. والشجاع الأقرع !

عاطف عطيت الله يكتب عن الأوقاف .. والشجاع الأقرع !
كتب -

لا أظن أن هناك من ينسل من بين المصلين كل جمعة، ويهمس في أذن الخطيب؛ ليخبره بأن كل من في المسجد يرتابون بإيمانه، ويشككون في إسلامه، لذلك نرى صاحبنا يقف على المنبر كمن أتى ليشهر إسلامه، فلا يكف عن ترديد الشهادتين، وإعلان الوحدانية لوقت قد يضيع معه تقديم أي مضمون، أو معلومة تستهدف معالجة قضية ما!…

كما لا أظن أبدا أن وزارة الأوقاف قد أصدرت منشورا يصبح بموجبه الخطيب أشبه شيء بقطار من الدرجة الثالثة ــ الذي يفاجئنا دوما بتوقفه متحججا بوجود قطار مقابل، و في حقيقة الأمر أنه ملتزم بساعة زمنية عليه ألا يصل قبلها ! ــ فهو يتوقف بين الحين ، والآخر لينظر في ساعته مهتما كل الاهتمام بالفترة الزمنية التي سيقضيها على المنبر، دون أقل اهتمام منه بقيمة، أو خطورة الموضوع الذى سيقدمه للناس، ولا بأس بأن يخرج من سيالته ورقة تحتوي على قصيدة شعرية طويلة، تساعده في مواصلة القول، وسد الفراغ الزمني، والمعرفي، الذي بات سمة بارزة لدى رجال الأوقاف!…

كل هذا، ووزارة الأوقاف غارقة في سبات عميق، لا يوقظها منه حتى صراخ من يستنجدون بها لتقديم خطاب ديني مرن، وغير مترهل، يستطيع أن يلعب دورا موازيا لخطابات أخرى تنشر الفتنة، والتطرف الفكري.. وربما الإلحاد!. فخطاب الأوقاف الآن، وبلا تشدد، هو خطاب غير تقدمي، فلا هو يستهدف المستقبل بغرس القيم، والأخلاق المناسبة، ولا هو يعالج ما يستجد على الواقع من أمور، وظواهر بشكل حاسم، بدليل أنه لا يتطرق لمشكلات الناس الحياتية، فلا يتناول ظاهرة سيئة ليحث الناس على دفعها، والتخلي عنها، ولا يتتبع سلوكا حياتيا طيبا لبعض الناس بمجالات مختلفة ليشجع المجتمع على تبنيه!.. فقط هو خطاب يعزل الناس عن واقعهم، ولا يعكس أحوالهم، كما أنه في أحيان كثيرة لا يكتفي بعدم تقديم الحلول الخاصة بالمشكلات التي يواجهها الإنسان المسلم، في كل ما يتعلق بأمور حياته، بل لا يتورع عن بناء الجدارات العازلة بين المشكلة، وحلولها هذا في حالة تناوله لإحدى المشكلات التي ملأت حياتنا من الأساس، ولك عزيزي القارئ، أن تتأمل الخطاب حين يتعرض لمشكلة ما بالمجتمع، وهي ستكون مشكلة أخلاقية غالبا، وستجده يعالجها بشيء من السخف، واللا منطقية، فعليك دوما أن تكون سلبيا، ومتواكلا، وزاهدا في الحياة!…

وإن كان في هذا شيء من المبالغة بنظر البعض، فما الذي عاد على المجتمع، أو تغير بداخله، وقد أرهقته ــ على مر الزمان ــ خطب متشابهة لا حصر لها يسمعها المصلي، والهارب من الخطبة خاصة بعدما باتت المساجد تتبارى في استخدام مكبرات الصوت!…

وإن كنا قد رضينا بأن يظل الخطاب الديني لأسباب ثقافية، واجتماعية، وسياسية، خطابا وعظيا يدور كله حول مبدأ (فذكر) فيتم تذكيرنا كل جمعة بأمور حفظناها عن ظهر قلب، ومللناها لكونها لا تمس واقعنا، ولا تسعى لتغييره للأفضل، دون أن يتطور لخطاب فكري يشبع الجوع العقلي لدى القلة القليلة من المتفكرين، ويساعدهم في درء الشبهات حفاظا على الأصول، والثوابت، بتقديم معلومات أصيلة تنبع من الكتاب، وما صح من السنة المطهرة.. فإننا لن نرضى أبدا أن يكون معظم الخطاب الديني غارقا لأنفه في الإسرائيليات، وإثارة قضايا خلافية، لن يضرنا إذا سكتنا عنها جميعا، أو حتى رفضنا تصديقها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:ــ ما ورد في وصف الشجاع، أو الثعبان الأقرع الذي يزعمون أنه مكلف بمعاقبة تارك الصلاة (.. عيناه من نار، وأظافره من حديد، وكل ظفر بمسيرة يوم!…) ويتناسون، وهم يفترون على النبي الكريم صلى الله عليهوسلم بقول لم تثبت صحته، أن كائن بهذا الحجم!كيف سيتعامل مع جثة بشرية بتلك الضآلة، وإن كان صحيحا أن الحال يكون غير الحال بالنسبة لأمور كثيرة منها ضخامة الإنسان بتلك الأوقات كما يردد أحيانا، إلا أن تكوين الإنسان الجسدي لا يتغير حتى بقيام الساعة، ألا يظل الجلد كما هو مصدرا للإحساس!..

إننا في حالة سؤالنا، سنسمع بالطبع إجاباتهم المحفوظة، بأن الله قادر على كل شيء.. وكأننا لا ندرك هذا!.. ويتغافلون أيضا عن أن كل ما ورد من أحاديث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تصف العذاب، ومنها عذاب القبر، لم يذكر بها شيء عن ذلك المخلوق الذي كثيرا ما رأيناه داخل الملصقات على جدران المساجد يطوق أحدهم، ليعاقبه على ترك الصلاة، إلا ما ذكر في حديث رواه أبو هريرة رَضِي اللَّه عَنْه أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ … “.. فهل ذكر شيء هاهنا عن تارك الصلاة!.. أليس الأمر مرهونا هنا بالإنفاق!؟.. ومتى !؟.. يوم القيامة.. لا داخل القبر!؟…

ثم نلوم بعد ذلك من يتعمد عدم حضور الخطبة!…

ولا زلت أتساءل: لماذا لا تستهدف الخطبة توعية المسلمين بأحكام يجهلونها، كالقتل الخطأ مثلا، أو نشر فقه الطهارة، وكيفية الوضوء، وقضاء الصلاة الفائتة، فهي أمور مهما بدت بديهية إلا أننا نرى داخل كل مسجد من يقومون بها بشكل غير صحيح ؟

وفيما يتعلق بالخطبة الآن، وتقديمها جاهزة على موقع الوزارة الإلكتروني، وتلك كارثة أخرى، كما تعكس عدم وجود رؤية لدى الوزارة تعمل في إطارها ، فإنها تكشف أيضا عن جهل مطبق بظروف البيئات الاجتماعية المتباينة، التي تتطلب خطابا متنوعا.. إن جعلها موحدة المحتوى لن يعفى الخطباء من المسئولية ، وهم يرددون الأدعية بطريقة آلية تخلو من أي تضرع، أو خشوع، والأهم من ذلك عدم نسيانهم سب غير المسلمين ، وهنا أسأل خطباءنا الأجلاء : لماذا نغضب ونتهم غير المسلمين بعدم الإنصاف والتعمق في فهم تعاليم الإسلام .. حينما يصفوننا بالإرهابيين .. ونحن لا نكف عن الدعاء عليهم عقب كل صلاة بالرجم والحرق والمسخ .. ماذا يضيرنا لو دعونا لهم بأن يكتب الله عز وجل لهم الهداية لدينه وينير بصائرهم .. ما داموا لا يسبوننا ، ولا يناصبوننا العداء ، فهم شركاؤنا في الحياة !؟

ففي النهاية لا قيمة لقول من أقوالهم لم يرد صراحة في كتاب الله، أو تثبت صحته في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء تم وضعه لتخويف الناس، أو لترغيبهم ، وعليهم أن يسألوا هم أنفسهم أولا ماذا يتبقى من الخطبة، إذا ما استثنينا ترديد الشهادتين، والصلاة على النبي ، وحذف لازماتهم، وحشوهم من إخوة الإسلام وغيره.. فهل سيتبقى شيء !؟…

وأخيرا.. يجب على الوزارة أن تقدم خطابا دينيا أكثر شمولية، ووعيا، وألا تتجاهل أو تهمل في متابعة أداء رجالها، الذين بدورهم ينبغي عليهم الإخلاص، والصدق، وإدراك قيمة أدوارهم في الحياة، فهم يقومون مقام الأنبياء ، بتجديد الإيمان كل جمعة ، ولن يتجدد إيمان الناس إلا إذا رأوا خطابا دينيا يعكس أحوالهم ، ويقدم الحلول لمشكلاتهم المعاصرة بالقرآن والسنة ، لا بخزعبلات تجعلهم يشعرون بأن خطباءهم يعاملونهم مثل الأطفال السذج!…

 

الوسوم