صور| العجوز والبحر.. رحلة 6 عقود قضاها سليم سعيد بين أحضان النيل والسمك

صور| العجوز والبحر.. رحلة 6 عقود قضاها سليم سعيد بين أحضان النيل والسمك العم سليم الصياد تصوير سمر فوزي
كتب – مصطفى عدلي، سمر فوزي

“يا صياد السمك صيد لي بنية.. قلبي بشبك صادوه غصبًا عليا”.. بمطلع هذه الأغنية يستقبل الصياد العجوز سليم سعيد أحمد نهر النيل، وكأنما يغازله قبل أن يمتطي ظهر مركبه الصغير قبيل آذان الفجر، مستفتحًا يومه بدعاء “استعنا على الشقا بالله”.

لم تسرق التجاعيد التي شكلت خريطة 75 عامًا من الشقاء البسمة من وجه العم سليم، وظل محتفظًا بهدوئه وخفة ظله رغم “الشقاوات” التي لاحقته طيلة عمره، -هكذا وصفها- وكعادة شريحة كبيرة من المصريين لا يتوقف سليم عن الغناء والموال طيلة ساعات عمله، بيد أنه لا يعلم أن مطلع الأغنية التي ارتبط بها للعراقي فاروق هلال، وكأنما باتت الفنون العراقية رفيقة للعديدين بعد أن سحرتهم حنجرة سعدون جابر خاصة وهو يغني “اللي مضيع محب يمكن سنة وينساه واللي مضيع وطن وين الوطن يلقاه”.

محاذير الأطباء لم تمنع الصياد عن الإقلاع عن عادة التدخين، وإن قلل منها عن السابق حتى يتقي شر ربو الصدر والسعال الشديد، يبدأ يومه قبيل آذان الفجر، يتناول مع رفيقة دربة الإفطار اليومي، وجبة الفول والبصل.

يستقبل العم سعيد الحاج عطا الله رفيق دربه وشريكه في الصيد، ويقف الاثنان برهة أمام نهر النيل يستمتعون بنسمة الفجر الباردة يطربهم صوت الموج المتلاطم، يلقون تحية الصباح على زملاء المهنة الذين سبقوهم طلبًا للرزق ليعودوا بعدها لجلب شباك الصيد، وكأنهم كانوا يتأكدون من أن البحر لم يغير خط سيره وظل بانتظارهم كما جرت العادة.

يغمس ابن جزيرة الحمودي التابعة لمركز الوقف شمالي قنا الشباك في صبغة أعدت مسبقا لإكسابها لون مشابه للأسماك، حتى تنطلي عليها الحيلة وتقع في حب شباكه، موضحًا أن للصيد أدوات عديدة منها “الجابة، والصنار، والهلب، والرمح”، لكنه يفضل الشبك لأنه يمتد على مساحات كبيرة من النهر.

يقتنع سعيد تمامًا أن تدابير الرزق التي أعدها الله مسبقًا لعباده قادرة على جعل الأسماك تذهب طواعية صوب شباكه التي راح يوزعها في أماكن معينة بالنهر، مختلسًا النظر لرفيقه عطا الذي يجدف في هدوء وكأنما يوجهه بعين خبيرة.

يتناول العجوز “جريدة” من قاع مركبه الصغير يشق بها سكون ساعات الصباح الأولى حينما يضرب بها الماء بكل قوة محدثًا جلبة كبيرة، ويفسر تلك الحركة بأنها تجعل الأسماك تجري في اتجاهات مختلفة ليقع بين شباكه رزقه منها.

يجلس صاحب الـ75 عامًا القرفصاء على ظهر مركبه ساعتين بعدها يلملم شباكه لحصر صيد اليوم، ويحكي وقت انتظاره: “بصطاد من وقت ما كنت عيل صغير”، ميراث الأجداد والآباء، مشيرًا إلى أن المولى رزقه بـ4 بنات، قام مؤخرًا بزيجة اثنتين منهن، وولدين في عمر الصبا يساعدانه في الصيد وبيع ما يقومون بصيده.

يشير سعيد إلى منزل بسيط أشبه بالكوخ يبعد عن النهر 3 كيلو مترات، يقول إنه يتسع له وللأحباب مقبلاً يديه على الوجهين “فضل وعدل من عند الكريم”، ذاكرًا أنه لا يعرف له مهنة سوى الصيد، صيفًا وشتاءًا لا يفارق الكالسون جسده ويرتدي فوقه البنطال الأبيض الواسع، والصديري الصعيدي، وفوقه قميص أبيض يعكس حرارة الشمس تداعبه الرياح كلما حركت مركبه الأمواج.

يضطر سليم أحيانًا إلى مغادرة نجع الجرف المنطقة التي يسبح بها قاربه، ويتجه شمالاً ناحية مركز نجع حمادي بحثًا عن الأسماك التي يقول إن المخلفات والحيوانات النافقة التي تُلقى في النهر ساهمت في تحجيم تكاثرها، متخوفًا من أن يأتي اليوم الذي يرمي فيه الشباك وتخرج خاوية بسبب التلوث الذي أصاب شريان الحياة.

لا يخشى العجوز شئ قدر تخوفه من “قراصنة المهنة” كما يصفهم، لقيامهم بالصيد الجائر باستخدام المولدات الكهربائية لصعق مربعات كبيرة من الأسماك ما يؤدي إلى نفوق الملايين منها، معقبًا أنهم أخطر على المهنة من جفاف البحر، ومطالبًا بسن قوانين جديدة تفرض عقوبات رادعة عليهم.

يعدد الصياد أنواع الأسماك التي يزخر بها نهر النيل، أشهرها البلطي أو”المُشط”، والبياض، والقراميط، والزمير، وكلب البحر، والرعيدة، محذرًا من النوع الأخير التي يقول إن به مخزون كهربائي من الممكن أن يصيب من يمسك به بماس كهربائي بشكل مؤقت وسريع، مشيرًا إلى أن سعر الكيلو يتراوح من 30 إلى 35 جنيهًا.

ويوضح الفرق بين أسماك نهر النيل والترع، فالأخيرة غالبية أسماكها تنفق بسبب التلوث، وأشهر أنواعها القراميط والبلطي الأسود والأبيض وأسماك الصيرة، مفضلًا النيل الذي يذخر بالعديد من الأنواع المختلفة، مستطردًا: “البحر رزقه واسع” خاصة في الصيف الذي يصل فيه الصيد لذروته.

قد يضطر سعيد إلى إجراء عملية تقويم فقرات في الظهر، وأخرى في عينيه، ليتمكن من مواصلة العمل والإنفاق على أسرته، ولكن قلة ذات اليد تجعله لا يرفع شكواه سوى لله والبحر.

يتمنى سعيد مستقبلاً مغايرًا لأبنائه، مفضلاً ألا يعيشوا في جلباب أبيهم بل يلتحقون بوظيفة حكومية ذات دخل ثابت وإن كان قليل عن اعتلاء البحر ومجابهة أخطاره التي قد تلقي بصاحبها في القاع ليصبح من صائد لطعم كبير في بطن الأسماك.

يهز سليم رأسه الذي اشتعل شيبًا وكأنما ينفض الفكرة المرعبة عن رأسه العجوز، متناولاً بيديه جرعة من النيل ليغسل بها وجهه وبنفض حديث الذكريات الذي “قلب عليه المواجع”، ويبدو أن الأسماك تأثرت بحديث الصياد الماهر فألقت نفسها بين شباكه لترتسم الابتسامة مجددًا على وجهه وهو يردد “الحمد للمولى رزقنا وجبر بخاطرنا”.

الوسوم