بعد صور “الجري” بأمريكا.. كيف تغلب الصحفيون على طول المسافات لأجل السبق؟

بعد صور “الجري” بأمريكا.. كيف تغلب الصحفيون على طول المسافات لأجل السبق؟ جري الصحفيون بأمريكا للحصول على السبق

لم تكن صور جري الصحفيون خلال محاكمة بول مانافورت، المدير السابق لحملة دونالد ترامب الانتخابية بأمريكا، بعد منع القاضي استخدام التليفون المحمول والتي بثتها وكالات الأنباء مؤخرًا إلا صورة حقيقية من تاريخ الصحافة البدائية التي ناضلت الصحافة العالمية للتخلص منها على مدار قرون عديدة.
وتنشر «دشنا اليوم» الصادرة من مؤسسة ولاد البلد للخدمات العالمية أهم تاريخ الصحافة في القرن التاسع عشر حيث كانت الصحافة في مصر وبلاد الشام تطبع من ألف إلى أربعة آلاف نسخة على الأكثر في الساعة، من جريدة مكونة من 8 صفحات، أما في أوروبا وأمريكا فصنعوا آلات تطبع 96 ألف نسخة في الساعة.
وكانت جريدة التايمز البريطانية أول من استخدام آلات الطباعة التي تعمل بالبخار في عام 1814م، وللجرائد الإنجليزية مكاتب منتشرة في جميع أنحاء العالم يذهبون إلى ميادين القتال ويضربون في القفاري والصحاري لكي يجمعوا الأخبار والنوادر ويبعثوا إليها، وكثيرا ما يكون معهم أسلاك من التلغراف وخطوط خاصة من التليفون تنقل أخبار البرلمان.
ويقول الباحث والصحفي محمود الدسوقي لـ”دشنا اليوم” إن المؤرخ والمفكر والكاتب الصحفي يعقوب صروف وصف حال الصحافة العالمية في القرن الـ19 في مقال نادر أرسله لجريدة المقطم عام 1900م أي منذ 118 سنة، حيث قارنها بالصحافة المصرية والعربية، حيث أكد في رصده لعالم الصحافة أن جريدة الديلي ميل تطبع كلها ليلا وتصدر صباحا وتوزع مليون نسخة، وكان يباع منها 600 ألف نسخة، ووصلت إلى مليون نسخة مع بداية حرب الترنسفال.
وأوضح الدسوقي أنه أعادت صورة الصحفي في القرن التاسع عشر الذي كان عليه أن يستخدم عضلاته أو الحمام الزاجل في توصيل الخبر لصحيفته، كما أعادت صورة الصحفيات اللاتي تسابقن مع الصحفيين في سباق الجري صورة المرأة الصحفية العاملة في المجال الصحفي.

في كتابه المهم تجليات الذاتية في العمل الصحافي أوضح سيريل لوميو، أنه ما بين عامي 1890م نهايات القرن التاسع عشر و1930 في القرن العشرين قدر عدد النساء المزاولات لمهنة الصحافة في العالم مابين 2 إلى 3% من مجموع الصحافيين، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية ظل هذا الرقم ضعيفا حيث لم يتجاوز 15% عام 1956م ليصل بصعوبة إلى 20% عام 1974م، فإن اقتران مهنة الصحافة بالأنوثة لم يصبح أمرا عاديا إلا مؤخرا، مشيرًا إلى أن الصحفية مارغريت دوران “1864م – 1936م” قامت في عمر الـ33 بتأسيس يومية “التمرد” التي كانت تنجز بالكامل من طرف النساء لتكون من ضمن النساء الرائدات.
قبل القرن التاسع عشر الميلادي وبمئات القرون أسس يوليوس قيصر صحيفة السجل اليومي للأخبار، وهي صحيفة كانت تنشر أخبار مجلس الشيوخ والأخبار القضائية وميادين الحروب، وكان مراسلو الصحيفة في الخارج يوافونهم بالأخبار، وكانت تنشر بإخراج رديء، وجرت مدن أوربا في تعليق الأخبار وصارت تنشر أخبارها في أوراق تعلقها، ثم لما أتقنت فن الطباعة، سهل طباعة الأخبار فصارت النسخ بدل من تعليق الأخبار.
أراد الصحفيون في أمريكا التغلب علي طول المسافات، ما جعل الصحفي داش كرايج يكون أسرابا من الحمام الزاجل يزيد علي 500 لنقل الرسائل بين مدن فيلادليفيا وواشنطن ونيورك وبوسطن عام 1887م، وأعد لها مهبطا في صحن صحيفية نيوريوك صن، وكانت وكالات الأنباء تستخدم الحمام الزاجل في نشأتها وهذا قبل اختراع التليغراف الذي مثل علامة فارقة في توصيل الأخبار في عالم الصحافة آنذاك.
يعقوب صروف وهو يسرد تاريخ الصحافة في مقاله النادر بالمقطم أكد أن في ألمانيا منذ 4 قرون ظهرت صحيفة كانت تختص بأخبار الكنيسة والمحافل، أما البندقية فقد اقتدت بألمانيا عام 1566م، فكانت تعلق الأخبار على الأبواب، وتتقاضى رسما على قراءتها، وكان الرسم قطعة من النقود تسمي غازتة فأطلق علي اسم الصحيفة وهو اسم صحف الأخبار في أوروبا كلها، وهو ذات الاسم الذي أطلقه الاحتلال الانجليزي علي جورنال الغازيتة في السودان عام 1898م، ومازالت تواصل الصدور بالاسم حتى الآن.
و”لمحرري الجرائد في أوروبا مقام رفيع، فتري الأمراء والكبراء ينتظمون في سلك مكات محرري الصحف ولا يحسبون في ذلك حطة لهم بل رفعة كما حدث بالأمس في مجيء السرجون “سكوت” الذي كان مستشارا قضائيا في القطر المصري ومكاتبا لجريدة التايمز وقت الاحتفال بتمثال ديلسبس، ومقابلة الوزراء في أوروبا قد تكون أسهل من مقابلة محرري الجريدة.
والسير جون سكوت، الصحفي والمحرر، الذي وصفه يعقوب صروف كان يتولى منصب وكيل محافظة قنا، جنوب صعيد، تم تصعيده ليكون مستشارا قضائيا في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث اقترح اقتراحًا غريبًا بعد مرور 6 سنوات على توليه شأن القضاء من قبل الاحتلال الإنجليزي الذي سيطر على كافة مقاليد مؤسسات الدولة، حيث اقترح اختصاص العمد والمشايخ بالنظر في القضايا المدنية الشخصية التي لا تزيد على 100 قرش، ما جعل الصحف المصرية آنذاك تحذر من استبداد سلطة العمد وازدياد نسبة الجهل والأمية لدى العمد والمشايخ، الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، دون أن تقوم الحكومة وسلطة الاحتلال الإنجليزي بالإصغاء لتحذيرات الصحف آنذاك.

في القرن التاسع عشر لم تكن الصحافة مهنة قائمة بذاتها ككافة المهن، وهذا ما يؤكده لوميو، في كتابه “تجليات الذاتية في العمل الصحافي”، موضحاً أنه منذ مدة اعتبرت الصحافة من بين المهن التي لا تسمح بمزاوليها الاعتقاد بأن ممارستهم لها ناجمة عن انجذاب شخصي أو الأعمال الضامنة للقوت التي تسمح لمزاوليها في المجال الإبداعي بتمويل نشاط فني مربح، أو تسمح لهم بشحذ أسلحتهم في انتظار فرصة التعبير يوما عن موهبتهم الحقيقية، فإن صحافيي القرن التاسع عشر غالبا ما كانوا مضطرين إلى الإقرار بأن إنجازهم لعملهم يخضع لضرورة، يأملون أن تكون مؤقتة في انتظار فرص أفضل.
ويضيف لوميو “وإذا كانت الموهبة الصحافية محدودة في السابق في القرن التاسع فإن الأمور تغيرت حاليا، ويكفي رؤية عدد المرشحين الذين يطرقون كل عام معاهد الصحافة في العالم أجمع” حيث حوت الدساتير في العالم حرية الصحافة وجعلها رمزاً لتقدم الأمم وسلطة مراقبة للحكومات.

الوسوم