القرص بـ70 جنيهًا.. “التامول” المُخدر الأكثر انتشارًا في دشنا تجارة مُربحة للعاطلين

القرص بـ70 جنيهًا.. “التامول” المُخدر الأكثر انتشارًا في دشنا تجارة مُربحة للعاطلين أقراص مخدرة- مشاع إبداعي

“ربع تامول” كنت قديما قلما تسمعها لكن حاليًا أصبحت تلك الكلمات متداولة بشكل كبير في شوارع دشنا حتى أن المرء لم يعد يستغربها، الغريب حقا ليس انتشار تعاطي أقراص التامول بين الشباب بهذا الشكل بقدر ما هو استخدام شريحة كبيرة من المواطنين في المركز القنائي لتلك التجارة لتحقيق الربح، لم تعد التجارة قاصرة على فئة المسجلين خطر أو تجار المخدرات وبات الكثيرون يبيعون الأقراص المخدرة كأنما يبيعون السجائر.

في الشوارع والطرقات انتشر باعة الأقراص بعد ارتفاع سعرها الذي وصل إلى 700 جنيه للشريط، بواقع 70 جنيهًا للقرص، ورغم تكرار الحملات الأمنية لمهاجمة تجاره والإعلان عن ضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة في الفترة الأخيرة، إلا أن تلك الحملات لم تتمكن من القضاء على الظاهرة التي تستشري يومًا بعد يوم في الشارع الدشناوي.

وهم القوة والنشاط

السائقون وعمال الفاعل أكثر الفئات المتعاطية للمخدر، “عن نفسي باخد ربع تامول قبل ما أحط رجلي على دواسة العربية”، يقول أبوياسر، سائق ميكروباص، مشيرًا إلى أن السواد الأعظم من السائقين خاصة ممن يعملون في ساعات المساء يتعاطون الحبوب التي قال إنها تساعدهم على السهر “والفوقان” خاصة في السفر لمسافات البعيدة من قنا للقاهرة والعكس، ولافتًا أنه لم يجرب بديلاً أخر لأنه قد تعود على هذه الحبوب منذ عدة أعوام.

ويلمح بدري عبادي، مزارع، إلى أنه يضطر إلى شراء شريط “تامول” وتوزيع بعضًا منه للعمال الذين يستأجرهم خاصة أثناء موسم “كسر القصب” الذي ينشط فيه سوق الأقراص المخدرة، لاعتقادهم أنها تقوم “بشد العضم”، وجعل العامل يستطيع تحمل متاعب العمل، بيد أنه أضاف: أقوم بخصم سعر الحبوب من يومياتهم لأن سعر القرص الواحد أصبح يتجاوز السبعين جنيهًا، “الغاوي ينقط بطاقيته”.

يدافع محمد جابر، فني، عن متعاطي الحبوب المخدرة، معتقدًا أن معظمهم أجبروا على تعاطيها لجعل أجسادهم تتحمل مشقة العمل لساعات أطول وهو ما يتطلبه العمل في البناء “الخرسانة”، أو الزراعات.

أما أحمد سالم، طالب، فيرى أن قيام الشباب بمهاداة بعضهم الأقراص المخدرة خاصة أثناء عرس أحدهم تكون البداية بالنسبة للمدمن، مشيرًا إلى أن غالبية الشباب يتعاطون الحبوب على سبيل التجربة “تفاريح”، وبعدها يصبح الشاب أسيرًا لها ومن الممكن أن يستغنى عن شراء احتياجاته الضرورية لقاء امتلاك قرص تامول.

ويلمح مصطفى عباس رشوان، مدير سابق بمديرية الشباب والرياضة، أن الوهم لدى شريحة كبيرة من الشباب المقبل على الزواج يدفعهم لتناول هذه الأقراص ظنًا منهم أنها ستجعلهم سعداء مع زوجاتهن، على الرغم من أن الأبحاث الأخيرة أكدت على خطورة هذه المواد وتأثيرها المباشر في إضعاف وإنهاك الجسد الذي يتأثر بشكل سلبي نتيجة الإسراف في تناول كميات كبيرة من هذه العقاقير.

سبوبة ورقابة غائبة

يبين سعيد صادق، صيدلي، أن عقار “التامول” المنتشر بيعه في السوق السوداء توقف بيعه في الصيدليات منذ عدة أعوام بسبب دخوله جدول المنشطات، مشيرًا إلى أن الأنواع المنتشرة تصنع في مصانع “تحت بير السلم”، أو يتم تهريبها من الخارج، وتابع: “الحبوب بقت سبوبة ولقمة عيش سهلة لبعض العاطلين”.

ويرى أحمد فتوح، موظف، أن سبب انتشار هذا العقار على وجه التحديد تعود الناس عليه بسبب زيادة جرعة  المادة الفعالة المخدرة بالعقار عن أقرانه، وتهريب كميات كبيرة منه إلى الصعيد الأمر الذي جعله يتصدر قائمة الممنوعات الأكثر طلبًا بين المواطنين.

ويبدي محمود إسماعيل، صيدلي، استيائه من قيام بعض  الصيدليات ببيع عقاقير بها نسب مرتفعة من المخدرات بدون روشتة الطبيب، مضيفًا: هم يعلمون أن المواطن يستخدمها بغرض التعاطي والإدمان.

ويوضح إسماعيل أن هناك أدوية لا تصرف إلا من خلال روشتة الطبيب وهي معدة لعلاج أمراض بعينها مثل عقار “الباركينول”، الذي يطلق عليه العامة “الصراصير”، وهذه  الحبوب تستخدم لعلاج شلل الرعاش ولكن الكثير يستخدمها كمخدر، مطالبًا بتفعيل دور قسم تفتيش الصيادلة ومحاسبة أصحاب الصيدليات التي تبيع أدوية غير مصرح بها من وزارة الصحة.

ويطالب علاء عبد اللطيف، مزارع،  بتشديد القبضة الأمنية علي تجار المخدرات الذين يفترشون الطرقات ويقومون ببيع الأقراص المخدرة فى وضح النهار.

ويطالب علي رشدي، طالب جامعي، بتفعل قرار الكشف عن المنشطات في المصالح الحكومية والخاصة، مشيرًا إلى أن واقعة حادث قطار محطة مصر الأخيرة أثبتت نتائج التحاليل قيام أحد الفنيين بتناول مخدر “الاستروكس” الأمر الذي ينذر بكارثة واحتمالية تكرر الكارثة في مواقف أخرى.

ويعتقد رشدي أن تناول المخدرات خاصة لدى مجموعة كبيرة من السائقين يعد المتهم الأول في محصلة حوادث الطرق التي ارتفعت على نحو غير مسبوق.

رياضيون وأطباء يحذرون

حسن مرزوق، لاعب اتحاد الشرطة لألعاب القوى، يتحدث عن أن تفعيل دور المدرسة في توعية النشء، وإبراز مخاطر المخدرات والتدخين الذي يمثل حجر الزاوية للمدمنين هو السبيل الأول للقضاء على تلك الظاهرة، مشيرًا إلى هناك العشرات من الرياضين انتهت مسيرتهم بسبب تناولهم لهذه السموم في شكل منشطات.

ويحذر حمادة محمد، لاعب منتخب مصر لألعاب القوى، الشباب من الإفراط في تناول العقاقير أو المكملات الغذائية، وخاصة بالنسبة للرياضيين، واصفًا المنشطات بالموت البطيء، وضرب مثالاً بالمصارع “أوماجا” الذي توفي وهو في ريعان شبابه إثر نوبة قلبية وتبين بعد التشريح أن السبب في وفاته تعاطيه جرعة زائدة من المنشطات.

وينبه خالد زيدان، طبيب، أن تأثيرات سلبية تصيب المتعاطي منها ضعف التركيز والذاكرة والحركة، وتقلب المزاج، كما أن التوقف عنها بعد استخدامها لفترة طويلة يؤدي إلى التوتر والقلق والعصبية وقلة النوم، وفي بعض الأحيان تصل هذه الأعراض إلى الإصابة بالتشنج وفقدان الوعي وربما الوفاة نتيجة تعرض الجسم لهبوط مفاجئ في الدورة الدموية.

الوقاية خير من العلاج

ويوضح الدكتور محمد عبداللطيف شمروخ، أستاذ علم النفس الإكلينيكي، أن حالة اللامبالاة التى أصابت شريحة كبيرة من الشباب جعلتهم لا يدركون تبعات وعواقب تعاطي المخدرات، مشيرًا إلى أن الأثار السلبية المترتبة على التعاطي تظهر بشكل واضح على الشخص من خلال تصرفاته المرتبكة وقراراته التي في غالب الأحيان تكون في غير محلها بسبب تغييب العقل وخضوعه لتأثير هذه الكيماويات التي تطبخ دون أدنى رقابة.

ويرجع عبداللطيف أسباب التعاطي للهروب من الواقع وعدم القدرة على مواجهة المشكلات الحياتية، بالإضافة إلى حب الاستطلاع ومجالسة أقران السوء، مطالبًا الأسر بمراقبة تصرفات أبنائها والجلوس معهم بشكل يومي ومصادقتهم للتعرف على مشكلاتهم والعمل على حلها بشكل مرن قبل أن يصبح الأبناء فريسة سهلة للإدمان. 

عقوبة تصل للإعدام

“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه، ولا تتجاوز 3 آلاف جنيه، كل من ضُبط فى مكان أعد أو هيأ لتعاطي المخدرات، وتزداد العقوبة للضعف إذا كان الجوهر المخدر كوكايين أو هيروين” هكذا تنص المادة (39) من قانون العقوبات، كما يوضحها حمادة عطالله، محام.

ويلفت عطالله إلى أن عقوبة الإتجار فى المواد المخدرة وفق ما جاء بنص المادة (33) من قانون العقوبات، تصل إلى الإعدام وغرامة مالية لا تقل عن 100 ألف جنيه في حالة استيرادها أو تصديرها أو زراعتها.

قوة أمنية من مركز شرطة دشنا- تصوير: مصطفى عدلي
قوة أمنية من مركز شرطة دشنا- تصوير: مصطفى عدلي

أكثر من مليون قرص

ويعلق زيدان إبراهيم، ملازم أول بمديرية أمن قنا، أن الأحداث السياسية المتلاحقة التي أعقبت ثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو خلفت ورائها كم كبير من المشكلات الأمنية التي ظلت تعاني منها الدولة خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن مطاردة تجار الأسلحة وقاطعي الطرق والمجرمين كان لها الأولوية في الفترة الماضية، بسبب سعي القيادات الأمنية إلى بث روح الطمأنينة.

ويعرب زيدان عن أسفه بسبب انتشار هذه الظاهرة بين الشباب الذي يتسبب في ضياع مستقبلهم بيده بسبب إدمانه لهذه الأقراص التي من الممكن أن تدفعه لارتكاب العديد من الجرائم، كاشفًا أن العديد من السرقات وحوادث القتل تحدث بسبب تعاطي هذه السموم بمختلف أنواعها.

ويوضح مصدر أمني بمديرية أمن قنا -فضل عدم ذكر أسمه- أن مديرية الأمن تنسق باستمرار مع مراكز الشرطة لشن حملات تستهدف ضبط المتاجرين بالمواد المخدرة، مشيرًا إلى أن أقراص التامول تعد أبرز المضبوطات بالنسبة للحبوب، أما بالنسبة للزراعات المخدرة فيتصدر البانجو قائمة المضبوطات يليه الحشيش والأفيون، مشيرًا إلى أنه لا يملك إحصائية دقيقة بكمية المضبوطات التي ضبطت، ولكنها تتجاوز المليون قرص وعشرات الأطنان من المواد المخدرة تم ضبطها خلال العام المنصرم.

ويلمح سيد محمود، من قوة مركز شرطة دشنا، أن عدم تبليغ المواطنين يعيق الأجهزة الأمنية عن ضبط المتهمين، مطالبًا أن يساهم المواطن مع رجل الشرطة فى الإيقاع بهؤلاء الخارجين عن القانون، حتى تنتهي هذه الظاهرة المشينة من بلادنا.

ضحايا الإدمان

ويبين أحمد عبداللاه، مسؤول المتابعة بمستشفى دشنا المركزي، أن المستشفى استقبل أكثر من 5 وفيات خلال العام الماضي يشتبه في تناولهم مواد مخدرة أدت إلى ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم ودقات القلب ومن ثم الوفاة، ومن بينهم حالات لأشخاص مجهولي الهوية عثر عليهم بالطرقات والزراعات، ويبدوا أنهم فارقوا الحياة أثناء تناولهم جرعات زائدة من المخدرات.

ويلفت عبداللاه أن أبرز المخدرات التي تتسبب في موت الضحية بشكل سريع حقن الأفيون التي انتشرت في الآونة الأخيرة، ويقوم المتعاطي بوخذ نفسه أو بمساعدة الغير في العضل مباشرة، وهذا المخدر خليط من نبات الأفيون المذاب بفعل حرارة النار مضاف إليه جرعة من أقراص الترامادول المخدرة أو الكوكايين.

الوسوم