لعنة الثأر تصيب قرى الصعيد.. واجتماعيون: الموروثات القبلية السبب

لعنة الثأر تصيب قرى الصعيد.. واجتماعيون: الموروثات القبلية السبب صورة أرشيفية لأحد المصالحات الثأرية بدشنا
كتب -

شهدت قرى صعيد مصر بمحافظة قنا خلال الأشهر الماضية، ارتفاعًا ملحوظًا في معدل الخلافات الثأرية والقتل في قرى المحافظة، خاصة في قوص والحجيرات وعدد من قرى مركز دشنا والذي وصلت فيهم حوادث الثأر إلى 5 حالات خلال الشهر الماضي فقط، بحسب بيانات أمنية،لتتحول قرى الثأر في قنا إلى غابة تحكمها القبلية والعصبية بما لا يتفق مع شرع ولا قانون، يفتك فيها الفرد بغيره وإن كان لا ذنب له، بل يطال الثأر عائلة القاتل وينتقى أيًا من أبنائها خاصة أفضلهم علمًا ومكانة، ومنذ أسابيع قليلة شهد مركز دشنا شمالي المحافظة حادثة ثأر من نوع مختلف، وهي ذبح مزارع بسبب خصومة ثأرية، تسببت في حالة من الرعب وعدم الشعور بالأمان على حسب وصف المواطنين القانتين بتلك القرى.

الرصاص الطائش

يقول محمود عبدالعاطى، موظف، إننا أصبحنا نشعر بأن الموت قتلًا بالرصاص عن طريق الخطأ قريب جدًا، وأن ما يحدث بين العائلات التي بينها خلافات ثأرية حرب بمعنى الكلمة، والرصاص نراه أمام أعيننا يتطاير ويصيب أطفالنا.

ويشير أحمد محمد، مهندس، إلى أنه على الرغم من ارتفاع نسبة التعليم في أغلب القرى التي تعاني من انتشار ظاهرة القتل والثأر، إلا أن الموروث الثأري تسبب في مقتل الكثير من المواطنين بتلك القرى وكثيرين منهم عن طريق الخطأ، مطالبًا بتشديد الحملات الأمنية وجمع الأسلحة من تلك القرى.

الموروثات الخاطئة

ويوضح عاطف عطية الله، مثقف وعضو اتحاد كتاب مصر، أن غياب الوعي الثقافي عن المجتمع وترسيخ المعتقدات التي تدعو إلى العنف وتأجيج الصراع وراء ذلك، لافتًا إلى أن الثقافة لها دور كبير في نشر الوعي بتفعيل المبادرات التي تدعو لنبذ العنف، وتكاتف مؤسسات الدولة سواء الأمنية والثقافية والدينية يساعد على انخفاض معدلات الجريمة في المجتمعات المغلقة.

وأشارت دراسة أجراها الدكتور السيد عوض، مدرس علم الاجتماع بجامعة جنوب الوادي، بعنوان “جرائم الثأر في صعيد مصر دراسة سوسيوأنثروبولوجي”

“إلى أن نظام الثأر يسود في المجتمعات الانقسامية التي يقوم تنظيمها الاجتماعي على ثلاثة أسس هي رابطة الدم، ورابطة المكان، وعدم وضوح التفاضل الاجتماعي والاقتصادي بين الجماعات المكونة لذلك المجتمع، وتقدس معايير الجماعة القرابية في ريف صعيد مصر عادة الأخذ بالثأر ومشروعيتها، حيث تعلي من شأن من يأخذ بثأره وتحط من كرامة ومكانة من يهون من سلطانه، وتعد الضغوط الاجتماعية هي أهم آليات الجماعة القرابية لإجبار الفرد على الالتزام بكل ما جاء بمبادئ الأخذ بالثأر دون إخضاعه للمناقشة، لذا فإن مرتكبي جرائم الثأر هم أشخاص أسوياء من وجهة نظر جماعتهم القرابية والمجتمع الذي يعيشون فيه”.

ويرجع الدكتور محمد عبدالطيف شمروخ، المتخصص في علم النفس الإكلينيكي، أن السبب النفسي والاجتماعي في تفشي ظاهرة القتل في مجتمعنا، هو التنشئة الاجتماعية للفرد داخل المجتمع الذي تربى فيه، فالأسرة تحرض أطفالها منذ النشأة على أخذ ثأره من أخيه أو صديقه في المدرسة، معتقدين بذلك أنهم يزرعون داخله الجرأة أو أخذ حقه، مشيرًا إلى أن للموروثات التراكمية دور كبير أيضًا في الإقبال على القتل والعنف.

ويضيف شمروخ أن هناك أسبابًا أخرى يصعب تجاهلها لها دور كبير في انتشار ظاهرة الثأر، مثل غياب القانون وقيم الدين، ما جعل الناس تلجأ إلى أن تأخذ حقها بيدها لما تظنه أنه حق وحتى لو اضطر أن يقتل.

ويقول محمود الدسوقي، صحفي وباحث تاريخي، أن الثأر ظاهرة عنيفة، قبلية الطابع ومتأصلة في المجتمع الصعيدي، حتى أن انتشار المؤسسات التعليمية والتنويرية في الصعيد عجز حتى الآن عن قتل هذا التقليد أو اقتلاع مفاهيمه.

ويرى الدسوقي أن المرأة تلعب دورًا لا يُستهان به في عملية تأجيج نيران الثأر في الصدور وتوريثه لأجيال جديدة، مشيرًا إلى أن بعض النساء يُجدن إذكاء الحقد الثأري من خلال “شعر العــِديد” المخصص لهذا الغرض، والحكايات الشعبية القادرة على أن تؤجج مفهوم البطولة.

التصدي للثأر

ووافقت لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة على بروتوكول تعاون مشترك مع الهيئة العامة لفرع محو الأمية بقنا، لإقامة ندوات توعية عن مخاطر الثأر، وسيتضمن البروتوكول عمل عدد من اللقاءات الحوارية والندوات والموائد المستديرة لنشر الوعي بخطورة الموروث الثأري، الذي يقف أمام تحقيق الرخاء والتنمية في القرى ذات الطابع الثأري ويسهم بقدر كبير في زيادة الأمية والرجعية، كما ستسهم هيئة محو الأمية وتعليم الكبار بقنا في حصر الأميين بقرى الثأر وتقديم الوعي بخطورة الموروثات الثأرية.

ويلفت مصدر أمني بمديرية أمن قنا، إلى أن المديرية تقوم بدورها في حفظ الأمن بشن حملات مستمرة على القرى التي تشهد صراعات ثأرية، بالإضافة إلى حملات ضبطيات الأسلحة التي تشنها وحدات المباحث بالمراكز الشرطية بالمحافظة، لافتًا إلى أن أغلب المتورطين في الخلافات الثأرية تم ضبطهم وأن المديرية تعمل على استقرار الأمن في كل نجوع وقرى محافظة قنا.

الوسوم