برحيل حسن نجم الدين، مأمور مركز دشنا، في أوائل التسعينات من القرن الماضي، الشهير “بالشبح” تطوى آخر صفحات من زمن الفروسية الجميل، زمن كان فيه المطالبة بالثأر يعني القصاص أو التراضي وفقا لمجلس عرفي منصف بإشراف مركز الشرطة، وكانت حوادث الثأر لا تحدث إلا مره كل شهر في السنة كلها، زمن كنت تسمع فيه عن جرائم القتل ولا تراه، حتى أننا شككنا بوجوده، حين كانت جرائم الثأر محصورة في قرية أو قريتين وتعرف أسمائهم من الوهلة الأولى.

زمن ألقى الناس فيه البنادق وأمسكوا بـ”الزقل” في أيديهم، ونسينا شكل البنادق، فكانت القيم والعادات هي المسيطرة على الخصومة الثأرية، ومن الغريب أنه إذا جاء رجل غريب يسأل شخص عن بيت خصمه، ذهب معه وأرشده عن منزله، فكان يعتبره بعيدًا عن الخصومة، ابن بلد، ولو وجد خصمه مع غريب لا يقتله احتراما للرجل الغريب، زمن كان فيه يحترم كيان الإنسان فلا يجوز التمثيل بالجثث، وكان القتل بالنار شرف، وكان من العار الذبح والخنق وليس مثل قلة الذوق التي نسمعها اليوم، بل كانت معطيات التنظيم العرفي تراعى حتى ضمن القرى المارقة، فتجد مثلا ممنوع حدوث جرائم السرقة بالإكراه أمام طرق تلك القرى، وكانت المطالبة بالدم فقط كقصاص وليس سرقة أرض الخصم واستباحة الدم كما يحدث الآن.

كانت خصومه في زمن جميل، وكانت المشاكل ناجمة عن أسباب مقنعة تتصل بمعطيات شرف الرجولة، عكس الوقت الحالي الذي تنشب فيه المشاكل عن أسباب تافهة “كتناطح عنزتين” أو بسبب ضرب كلب.

خلال السنوات الماضية، في مرحلة انحراف الإجرام، في قرى دشنا، لعب الانفلات الأمني دورا هامًا في المساهمة بالتأسيس للانحطاط الحالي والحديث هنا ليس عن أحداث ثأر فقط أو عودة وانتشار السلاح في يد الكبار والصغار كما هو الحال الآن، بل عن عملية غسيل دماغ منظمة ترسخ مجموعة من الأعراف الإجرامية كتبت في غفلة عن سيطرة دولة القانون تحت شمس بعض رموز القبائل المتاجرة في دماء أبنائها، وتقديمها على أنها عرف حقيقي موثق، كتبرير حمل السلاح بأنه ضرورة حتمية لحماية من الثأر أو الانفلات الأمني، أصبح كل منزل في قرى دشنا من البديهي أن يحتوي على قطعة أو قطعتين من الأسلحة النارية، لذا ظهر لدينا نمط جديد من الجريمة، كقتل الأب لجميع أفراد أسرته، ناهيك عن التحريض الهائل الذي يحض على الكراهية والمؤامرة بين أبناء العائلة الواحدة، وأبناء القبائل الأخرى، خصوصا أيام الانتخابات، لدرجة سيطرة القبلية على ذلك.

لقد أزاد عقلنا تلوثنا حينما نسمع ونصدق مقولة أن الرجولة اختفت، حين ألقيت البنادق التي نسمعها في جلسات المصاطب في أوكار الشياطين، أتذكر واقعة رجل طيب كان لديه جاموسة ومنزل طيني وبعض قراريط أرض، باع الجاموسة، واشترى بندقية، وعندما سألته عن ذلك قال لي بالحرف الواحد: “بعت جاموستي لأن الناس تمر أمام منزلي ولا تلقي علي السلام، أما الآن كل الناس تسلم علي” إنها كوميديا سوداء، فالبندقية لا تصنع الرجل”.

في الفترة الحالية، تقوم الشرطة بعملية تمشيط أمني لقرى دشنا دون مساعدة من الأهالي، في زمن انتشر فيه الهاتف النقال، وأصبح من الصعب ضبط فرد صوت بل أصبح من الصدفة أن تلقي القبض على حاملي البنادق، وذلك لأن الحملات الأمنية تحتاج إلى حملات توعية مسبقة، وأن ما تحتاجه قرى دشنا فعلا هو تدخل تربوي وثقافي عن طريق حملات توعية للشباب القرى، ومحاصرة تجارة السلاح، وإزاحة بعض رموز القبائل من المشهد، وتفعيل دولة القانون الدولة المدنية، والتصالح في قضايا الثأر أمام المحاكم، والبعد عن جلسات التصالح العرفية الملوثة بثقافة القبيلة.

وضرورة تفعيل دور قصر ثقافة دشنا من كونه جزيرة منفصلة عن واقع دشنا إلى فاعل متصل يعقد ندوات توعية داخل القرى للتوعية بقيمة الحياة الإنسانية، بالإضافة لإطلاق مشروعات تنموية صناعية طموحة تستفيد من موارد البيئة المحلية، بالإضافة لعمل حملات أمنية متزامنة مع حملات توعية، ربما يكون الإرهاب هو ما يؤرق الشرطة، لكن الإرهاب سوف ينتهي، إلا أننا سنحتاج أعوام للقضاء على أزمات الصعيد السعيد.