إن أغلب ما يحرك الإنسان للكتابة هي الحالة التي يكون عليها، وأنا أكتب وحالتي في قمة السوء والكآبة التي تتخيلها في هذه الدنيا، وأكاد أجزم أن الخير قد ولى وأن الشر قادم لا محالة في مجتمعاتنا وهذا بسبب الوهم، نعم إنه الوهم الذي قتل الأطفال في مدينة دشنا بمحافظة قنا في صعيد مصر، أتعلم لماذا أقول الوهم؟! لأنني أصبت بالجنون فأني لم أعد أتحمل ما يحدث حولي من جرائم قتل، ولم أتحمل قسوة القلوب التي طغت، ولا الطمع الذي فج في النفس البشرية التي سمحت أن نقتل ونذل أنفسنا من أجل “شويه فلوس”، عزيزي القارئ أقص عليك حادثه وفاجعة تجسدت فيها أبشع الصور.

شهدت إحدى نجوع المدينة الفاضلة، ذبح طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات في غموض تام، هنا يتوقف القلب برهة ولا يعبأ إن كانت النهاية في مدة التوقف أم لا والعقل بدأ أن يستجمع كل الأسباب التي تبرر ذلك، لا شئ مهما يكن، سواء انتقاميه أو عدائية أي شي بالنسبة لي لا يدفع لقتل ملاك برئ لا يحمل إلا الابتسامة بين ملامحه، كانت الأسباب مجهولة في الساعات الأولى، ولكن الأجهزة الأمنية كشفت الدافع وراء الجريمة، أن السبب خلافات مالية، هل ذلك السبب يكفي لذبح طفلة? أعتقد أن هناك أسبابا أخرى أكثر واقعية وهى ما كشف عنه الأهالي في روايتهم المتناقلة عن الحادثة “الكنز الخفي” الذي يبحث عنه كل أهالي مدينتي منذ عشرات السنوات ولا أحد عثر عليه حتى الآن، فجميعهم يبحثون عن الوهم الذي سيحصد أرواحنا وأرواح أبنائنا بدون أن نشعر، أتدري كم الألم والحسرة التي لحقت بأسرة الطفلة التي راحت ضحية لجهل مجتمع يبحث عن الثراء السريع دون علم ومعرفة بما سيحل وراء ذلك من قتل وسفك للدماء.

لا أعرف من أين يأتون بكل تلك الخرافات التي لوثت مجتمع أغلب سكانه متعلمون، فغالبا المشاكل الثأرية والضحايا التي تموت بدون وجه حق لا تجدي نفعا في مجتمعاتنا، فقد أصبحت عادية ويومية ولا تحرك أي شي داخل أنفسنا فاتجهنا إلي نوع مختلف من القتل والجريمة دون وعي.

علي مدار السنوات الماضية عاصرت قصصا تصلح لأن تكون روايات خرافية وخيالية لعالم التنقيب عن الآثار في بلاد ما وراء النهر، أقصد دشنا وقراها ونجوعها والعديد من قضايا النصب التي تحدث ولعلها قريبه مني ومنك طالما لعابنا يلهث وراء ذلك ناهيك عن المصائب التي نتعرض لها بسبب الدجل والشعوذة ولا أريد أن أدخل في غمار ذلك لأنني لو تكلمت علي ما يحدث في هذا العالم من خيالات ووهم فأننا سنشعر بالوكسة وخيبة الأمل وكم الجهد والأموال التي دفعت في التراب والبخور المضروبة وقصص التخيلات التي كلفتنا أرواح عديدة زهقت بسبب الطمع، وكم من الشباب ممن هم في عمر الزهور لقوا حتفهم وانتهي بهم الأمر بداخل حفرة في مقبرة، ودفنوا بجوار كنوزهم الوهمية  وهذا ما شهدته أغلب نجوع وقرى مدينة دشنا خلال السنوات الماضية ولم يلتفت له أحد.

أفيقوا لعل ما حدث يكون تنبيها شديدًا للحفاظ علي أنفسنا من تلك اللعنة فكل فرد يحتاج إلي أسرته بكل أفرادها، نحتاج إلي التعليم والتنوير والتوعيه إلى دور الثقافة في المدارس والمنابر التنموية إلى دور الشرطة والآثار لأننا لو استمرينا في ذلك الاتجاه سنصبح نطبق قانون الغابة وسيصبح مجتمعنا عبارة عن ساحة لقتال الشوارع من أجل الغنيمة الكبرى.