ككل الشباب المقيمين في قرى مركز دشنا التي تشهد صراعات قبلية أو خلافات ثأرية، أتمنى أن أموت على فراشي أو أن أموت كما يقدر لي، ولكن بدون أن تلتهمني رصاصة عمياء من طرفي خصومة أو أن استقل سيارة أجرة فتلتهم الرصاصة سائق السيارة، فينتهي بنا المطاف في ترعة قريبة، أو أن يتلقفنا الأسفلت كعادة حوادث الطريق.

كل يوم، نجد في القرية الفلانية، مقتل مزارع، مقتل عامل، مقتل طالب، وهكذا الحال، والسبب في نهاية الأمر، إما أن يكون المقتول طرفا في خصومة ثأرية، أو لخلاف على قطعة أرض، أو أن يكون عابرا بجوار الاشتباكات فتلتهمه رصاصة عمياء طائشة، كل ذلك كارثة لا يشعر بها أحد من المسئولين الجالسين في مكاتبهم المكيفة، سوى المظلومين من الطرفين أو المواطنين المستترين بحوائط منازلهم، أو الطلاب الذين ذهبوا للدراسة فتفاجئوا بأصوات الرصاص تختلط بصوت طابور الصباح فأصابهم الذعر والفزع، أو المرضي المترددين على مشفاهم من أجل محلول مياه أو من أجل جلسة غسيل كلوي تنقذه من ألم أسبوع كامل بسبب ذلك المرض المتمكن بالجسد.

 إذا رأيتهم كيف يعانون من هذا المرض وكيف يتجرعون مرارة العلاج وقسوة المرض في وقت واحد، لترددت قبل أن تشعل الصراع، أو تجهز أسلحتك للحرب الدائرة، هل من الطبيعي أن تغلق مستشفى مركزي في مدينة بسبب الحرب المسلحة بين عائلتين؟! وأن يتوقف جميع الأطباء عن العمل لتقديم الخدمات الطبية للمرضى من أجل عدم السيطرة على سلامتهم وأمنهم؟!، هل من الطبيعي أن يتجاهل هؤلاء جميع الجهات المسئولة عن توفير الأمن والأمان؟ فكلنا نحتاج إلى تفسير واضح لهذه التساؤلات السابقة والكوارث التي تحيط بنا.

ظاهرة الثأر سببا رئيسًيا في نشر الجهل في مجتمعاتنا المحلية، وتعتبر من أخطر الظواهر الاجتماعية التي نعاني منها، وتعد من أسوأ العادات الاجتماعية الموروثة التي تهدد الأمن والأمان، وتعيق عملية التنمية في البلاد.

في المجتمعات المتقدمة نظام القانون العام ينتزع من الأفراد مهمة أخذ الثأر بأيديهم، فإن هذا لا يعنى بأي حال من الأحوال اختفاء ظاهرة الثأر أو عمليات الانتقام، وإنما يعنى أن المجتمع أصبح ممثلا في نظامه القانوني والعقابي وصار وكيل أفراده في الأخذ بالثأر، ومن ناحية أخرى أصبحت سيادة القانون في المجتمعات والدول المتقدمة هي الحاكم في ذلك.

بيئتنا المحلية تتجه إلى العنف أكثر مما مضى رغم مظاهر التقدم وانخراط أبنائه في التعليم، هذا العنف يتجلى في القتل بهدف الثأر، هذا العنف الناتج عن خلل ما في المجتمع لا نعرف هل هو أخلاقي أم ثقافي أم موروثي أم أنه خليط بين كل ذلك.

ولكن الحقيقة المرة هي أننا ندخل مرحلة حرجة من حيث الحراك إلى أسفل ليس إلى أعلى، والبنية الاجتماعية أصبحت خاوية في حالة مضطربة، لا تشكل أي مؤشرات تجعلك تتنبأ بحياة معتدلة متقدمة طالما ترى فيها القتل والثأر مستمر بشكل يومي.