ما يزال مسلسل الإهمال الذي تلعب فيه الأراضي الزراعية دور الضحية، هو العرض الحصري الخاص بوزارة الزراعة، ولا ندري ــ بتأمل هذا العرض ــ لماذا يبدو الأمر داخل أروقة الوزارة كما لو كان فسادا ممنهجا، فيذهب وزير ويأتي آخر، دون أن تتغير سياسة الوزارة في التعامل مع المشكلات المتعلقة بالأراضي الزراعية!

وتتجسد صور ذلك الفساد بمشاهد كثيرة ــ دون تدخل أو تقديم حل من الجهات المعنيةــ كأن ترى من يدعي التدين، ويقوم ببناء مسجدا ليس الغرض من ورائه وجه الله، وإنما ليكون نقطة أساسية تبدأ في تحويل القطعة الزراعية لكردون مباني يبدأ من ورائه في سحب مرافق الماء والكهرباء، هذا غير منافع أخرى كالبحث عن الوظيفة الحكومية داخل المسجد، وآخر يضرب سورا حول ما يملك من رقعة زراعية حتى لو كانت بالأفدنة، طمعا في بيع المتر بسعر أرض الملكية الخاصة الخالية من أية نزاعات.. وغيرهم ممن يقتطعون مساحات ضخمة ويحولونها لكتل خرسانية ينشئون بداخلها مساكن عشوائية ليسوا في حاجة إليها من الأساس، كذلك المشروعات الخاصة كالمقاهي والملاعب الرياضية.. كل ذلك التعدي وإهدار المساحة الزراعية يتحقق في غياب تام من الدولة المتمثلة في وزارة الزراعة وجهات منوط بها حماية الأراضي الزراعية، فيتم الأمر كما لو كان مسرحية هزلية ساخرة تنتجها الدولة للقضاء على الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد مما ينذر بكارثة مستقبلية في المنتجات الغذائية.

وإليك مشهد النهاية عزيزي القارئ الذى يعكس حالة اللامبالاة.. تفاجأ.. الوحدات المحلية والجمعيات الزراعية ــ وضع خطا هنا تحت كلمة تفاجأ ــ بأن هناك تعديات على قطعة أرض زراعية في منطقة ما تقع ضمن سلطتها بالتجريف أو التبوير من أجل البناء والاستغلال الشخصي، فلا تتحرك وهى ترى الشروع في عملية الإنشاء، بل تتقدم إلى مخاطبة جهات أخرى قادرة على اتخاذ القرار، ويظل الورق يلف ويدور حتى تأتى ــأخيرا ــ قوات الشرطة وهى الجهة التنفيذية في موكب مهيب بأعدادها الغفيرة ومعداتها المرعبة لتهدم طوبة أو طوبتين، أو قل جزءا من جدار لا يعنينا في شيء وذلك حتى تخلي مسئوليتها.. إذا هذا هو منطق العمل.. حماية النفس والموقع الوظيفي بإلقاء الكرة في ملعب الآخر والنتيجة.. لا شيء.. فقد دمرت الأرض الزراعية ولم يحاسب أحد!

ونستطيع ملاحظة عبقرية المسئولين عن اتخاذ القرار في حالة الوصول بالوقت المناسب قبل انتهاء المخالف أو المتعدي من عملية البناء، وهم يهدمون العديد من الأسوار الخرسانية التي يمهد بها حائز الأرض لعملية البناء ويجعلها مثل بالون اختبار لقياس ردة فعل الوزارة، ثم يتركونها فوق قطعة الأرض لتخنقها وتقضى على خصوبتها وصلاحيتها للزراعة، فلا يعود على الصالح العام شيء، ولا على المالك نفسه، ويظل الأمر معلقا، فلا دولة استفادت بمحصول، ولا صاحب أرض فاز ببناء للسكن أو لمشروع.. حتى تتم مراوغة أخرى تتمثل في عقد مصالحة!

لذلك فإن الفساد الأعظم المعشش داخل أبنية الوزارة والذى يهدد أمن البلاد الغذائي ليس هو الفساد المالي المحدود والمتمثل في قبول الرشوة، فهذا نوع من الفساد اعتدناه حتى صار كظاهرة باتت مألوفة في حياتنا، وغالبا ما تكون أضراره محصورة ويمكن معالجتها، كذلك ليس هو الفساد الإداري الخاص بتعطيل بعض المشروعات أو تمرير المخالفات دون محاسبة، وإنما الفساد الأعظم والأخطر وهو النوع الذى تصعب مواجهته بالقوانين والأوراق هو الفساد الأخلاقي، بمعنى ألا يقوم المسئول بواجبه على أكمل وجه، فلا يحركه انتماؤه لبلده ووظيفته ليعمل على أرض الواقع بشكل فورى يتناسب مع سرعة جرائم التعدي التي تستغل غياب الرقابة وبطء الإجراءات القانونية، فيتسبب في تدمير مشروع قومي هنا، وتعطيل منفعة عامة هناك، وكل ذلك وضميره لا يؤرقه ساعة واحدة!

كما لا ننسى أن الوزارة نفسها كحلقة في سلسلة منظومة كاملة تضم جهات أخرى كوزارة التخطيط والتنمية المحلية، والإسكان، تسببت في إهدار الظهير الصحراوي الذى كان الأمل الوحيد للبلاد، كما تعيد عملية البناء والزراعة بصورة حضارية تقضي على عشوائية العيش، وتخرجنا من حلمنا البسيط لحد التفاهة في الحصول على رغيف عيش دون إهدار كرامتنا بشكل يكاد يكون لا مفر منه خاصة بصعيد البلاد!

وأخيرا ألا تستيقظ الدولة من سباتها وتفرض هيبتها من أجل الصالح العام، حرصا على مستقبل أجيال قادمة، ونرجو أن تكون يقظتها ــ إذا حدث واستيقظت ــ مبنية على حكمة في التعامل واتخاذ القرارات، فمن الحكمة أن:

ــ تستعين الدولة بالتصوير الجوي باستمرار، وصناعة خرائط من أجل التخطيط الجيد للمساحات الزراعية والسكنية.

ــ تسن الدولة قانونا خاصا يمهل المعتدي على الأرض الزراعية فترة معينة، وإن لم يقم بإعادة الأرض لحالتها الطبيعية في خلال تلك الفترة تسحب منه كملكية عامة.

ــ تراعى الدولة من يستحقون البناء على الأراضي الزراعية فعلا وفق قانون يحدد المساحة المزروعة المملوكة ومساحة المسكن.

ــ توفر الدولة المساكن المناسبة بالسعر المناسب حتى يتم القضاء على نهب الأراضي الزراعية.

ــ تعاقب الدولة الموظف المختص بنفس عقوبة المعتدى على الأرض الزراعية.

ــ تشجع الدولة الفلاحين بزراعة الأشجار المثمرة والمحاصيل الغذائية الأساسية مع تقديم الحافز المادي المناسب.

ــ توعية الأجيال القادمة بخطورة المشكلة ولو بغرسها بين موضوعات مناهج التربية والتعليم، وعمل إعلانات توعوية راقية بقنوات التلفزيون.

ــ توفر الدولة خطا تلفونيا ساخنا للتبليغ عن حالات التعدي.

وأخير فإن عين الحكمة أن تكون الدولة نفسها مثالا يحتذى به فلا تجبر الفلاحين على تدمير نسبة كبيرة من المحاصيل الزراعية من أجل حفريات الصرف المغطى التي يمكن أن تنتظر حتى الانتهاء من موسم الحصاد!.

 

عاطف عطيت الله- عضو اتحاد كتاب مصر

دشنا – قنا