“المخول” أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة

“المخول” أداة تخزين الحبوب.. من المصري القديم إلى الألفية الثالثة المخول

بشنس يكنس الغيط كنس” هكذا يقول المثل المصري القديم، و”بشنس” هو أحد الشهور القبطية “9 مايو – 7 يونيو” الموروثة عن أجدادنا المصريين القدماء والمرتبطة بالزراعة، طبقًا للأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية.

وفي هذه الفترة من ذلك الشهر تكون الحقول خالية من المحصول، والنبات القديم، بعد أن تم حصاده ونقله إلى المخول أو المقطوع.

وبالرغم من دخولنا الألفية الثالثة وتطور طرق تخزين الغلال، يظل “المخول” أو “القاطوع” كما يطلق عليه في مدينة دشنا، شمالي قنا، وهو وسيلة تخزين الغلال الأساسية في كثير من قرى المركز.

لم تكن صوامع الغلال ابتكار هذا العصر، وإنما تمتد جذورها لمئات السنين منذ عهد المصريين القدماء، الذين دفعتهم الحاجة إلى تخزين الحبوب في سنوات الجفاف، وخصوصًا القمح إلى بناء صوامع تُخزن فيها وتحافظ على جودتها، وظلت هذه الصوامع هي الطريقة المُثلى لتخزين الحبوب في كل أراضي الشرق منذ زمن سحيق.

يصف خالد محمد، مزارع، الشكل الهندسي للمخول قائلا “هو غالبا ما يكون دائري أو مربع الشكل، يبلغ ارتفاعه متر ونصف المتر إلى مترين، وله فتحتين في أعلاه لوضع الحبوب، وأخرى في الأسفل للسحب منها قدر الحاجة”.

ويتابع يُبنى المخول من الطين المضاف إليه كميات قليلة من التبن أو روث البهائم، وتستغرق عملية البناء من يوم إلى ثلاثة أيام على مراحل متعددة، تسمى كل مرحلة منها “طوف” حتى الانتهاء منه بنائه، ويوضع بعد ذلك على أسطح المنازل أو أمام الغرف.

ويقول محمود عبدالسلام، مدرس لغة عربية، إن سبب إطلاق لفظ المخول على صوامع الغلال في كثير من قرى الصعيد له ارتباط لغوي بين قولهم “كريم الأخوال”، ويوصف به الشخص ذو الأصل الطيب ونسبه الشريف، ولما كان “المخول” تخزن فيه أثمن المحاصيل وهو “القمح” جاءت التسمية.

ويتابع عبدالسلام على الرغم من أن “المخول” كان يبنى من مواد ليست ذات قيمة، إلا إن ذلك لم يمنع الأهالي من رفع قيمته حتى صاروا يضربون به الأمثال في الأصالة والشرف، متذكرًا بعض الأمثال منها: عندما يقدم أحد النصيحة لبعض الشباب عند اختياره زوجة له بقوله: “كل في مخول نضيف”، ويعني به أن يتخير المرأة ذات الأصل الطيب والنسب الشريف.

ويقول أحمد الراوي، مزارع- يبلغ من العمر 90 عامًا، منذ أن كنت طفلًا وأنا أرى هذه “المخاول” في قرانا والقرى المجاورة لم تتغير شيئا عن الوقت الحالي، نخزن فيها حبوب القمح والذرة طول العام دون أن تفقد جودتها أو يصيبها السوس.

ويتابع لم يكن “المخول” فقط هو وسيلة التخزين الوحيدة في ذلك الوقت، بل كانت هناك مخازن أخرى عبارة عن غرف تبنى من نفس مواد بناء “المخاول” تخزن فيها الغلال وتكون خاصة بكبار المزارعين ممن يزرعون مساحات واسعة من القمح.

ويضيف ياسر أحمد، مزارع، لقد تطورت وسائل تخزين الغلال عن ذي قبل، فلم يعد الكثير من المزارعين يعتمدون على المخاول في تخزينها مع ظهور المباني الحديثة والأجهزة المتطورة، والتي لا يتناسب معها وجود “المخول” المصنوع من الطين وروث البهائم،، مشيرًا إلى أن لجوء بعض  المزارعين إلى تخزين الحبوب في جوالات أو وضعها في غرف ذات أرضية أسمنتية أو من السيراميك.

ويفرق ياسر بين نوعين من “المخاول” قائلا: “إن المخول لا يطلق على صومعة الغلال فقط، وإنما يطلقه بعض الأهالي على المكان الذي يوضع فيه الطعام للبهائم من أعلاف وغيرها، ويكون أقل حجما من مخول تخزين الحبوب”.

ويرجع تمسك بعض أهالي القرى إلى تخزين الحبوب في هذه “المخاول” إلى ضيق الأحوال المعيشية وصعوبة بناء صوامع أو غرف تخزين حديثة من ناحية، ولتمسك بعض الناس بها، باعتبارها عادة توارثوها عن أجدادهم، من ناحية أخرى.

الوسوم