العصا في مصر.. شاهد على العصر

العصا في مصر.. شاهد على العصر التحطيب في العصر الفرعوني- معبد مدينة هابة
كتب -

العصا أداة رافقت الإنسان منذ أن سكن الأرض، فكانت في بادئ الأمر مُتكأ له يحملها أينما ذهب، لتتحول إلى قدم ثالثة تعينه على الحركة، أو تصبح يد أطول يستخدمها في التقاط الثمار البعيدة عن متناول يده البشرية.

ثم تطور الأمر لتصبح العصا أداة رئيسية في رعي الأغنام، لتصبح رمزا لسلطة الراعي على رعيته، ومع احتدام الصراع البشري تحولت العصا إلي سلاح يستخدم في الدفاع عن النفس ضد الأخطار.

ومع بزوغ الحضارات القديمة اختلفت

أحد الألهه المصرية تحمل عصا الخلود
أحد الألهه المصرية تحمل عصا الخلود

أشكال العِصيّ (جمع عصا) ومسمياتها، واستحدث الإنسان استخدامات جديدة للعصا منها ما ارتبط بالسلطة ومنها ما ارتبط بالدين وبعضها ارتبط برياضات قتالية وفنون استعراضية.

وفي ريف وصعيد مصر مكانة خاصة للعصا فهي تابع مخلص للمزارع يحملها وهو فوق حماره في ذهابه وإيابه من حقله، يتوكأ عليها ويهش بها على حيواناته ويخيف بها الكلاب الضالة، وأحيانا يستخدمها لصد أي نوع من التهديد سواء كان بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان، فهي سلاحه الأول وهي بالنسبة للكبار رمز للوقار والهيبة.

العصا في مصرعبر التاريخ

الظهور الأول للعصا في الحضارة المصرية القديمة كان في لوحة توحيد القطرين المعروفة باسم “صلابة الملك نارمر” والمعروضة حاليا بالمتحف المصري، والتي يظهر فيها الملك نارمر وهو يحمل “دبوس القتال” في يده اليمنى، بينما يده اليسرى تقبض على رأس واحد من المتمردين في إشارة إلى معاقبته، والدبوس عبارة عن عصا قصيرة مصنوعة من أخشاب الأشجار ومثبت برأسها جزء مدبب مصنوع من الحجر الصوان.

عصا الواس رمز الاستقرار
عصا الواس رمز الاستقرار

ويعد  الدبوس أول الأسلحة التي استخدمها المصري القديم في القتال، لذلك نشاهد منظرا تقليديا ومتكررا لجميع ملوك مصر على واجهات المعابد وهم يعاقبون الأعداء بضربهم بالدبوس، ثم استحدث بعد ذلك الرمح والحربة، اللذان يقومان على نفس فكرة الدبوس لكنهما أطول نسبيا ليلائما طبيعة السلاح.

وأما يتعلق بالديانة المصرية القديمة، فقد كانت العصا القاسم المشترك بين جميع الآله المصرية، وهي عصا طويلة ترتكز في قاعدتها على قوس صغير، يعتقد أنها كانت ترمز إلي أبدية الإله، فيما اعتقد بعض الأثاريين أنها كانت أول أداة لقياس الوقت من خلال وضعها بشكل مستقيم فوق الأرض وملاحظة انكسار الظل، الذي من خلاله يتم تحديد الوقت.

تمثال شيخ البلد- المتحف المصري
تمثال شيخ البلد- المتحف المصري

وفي العصر الفرعوني شاع أيضًا أن يحمل الكاهن عصا في يده ترمز إلي سلطته الدينية، وخير دليل على ذلك التمثال الشهير للكاهن “كا-عبر” والذي اكتشف بالقرب من سقارة، ومن الطريف ان عمال الحفريات في ذلك الوقت أطلقوا علي التمثال اسم تمثال شيخ البلد والسبب في ذلك أن كبير الكهنة كان يحمل في يده عصا طويلة، ولاحظ العمال تشابها بينه وبين شيخ بلدتهم، والتمثال مصنوع من الخشب المفرغ واكتشف بواسطة مرييت عالم الآثار الفرنسي.

وفي اللغة المصرية القديمة استخدمت العصا كمخصص لغوي يصاحب الأسماء التي تشير إلي الأفراد فتؤدي إلي اختلاف مدلول الكلمة حسب شكل العصا وهيئة حاملها، فمثلا إذا كان المخصص يظهر الشخص في وضع الوقوف وممسكا بالعصا فترمز الكلمة إلي الحاكم، وإذا كانت العصا مرفوعة لأعلى فتعني الكلمة العدو أو المغير، وإذا كان حامل العصا منحنيا دلت الكلمة علي شخص مسن.

عصا الحقا علي صدر الملك
عصا الحقا والواس علي صدر الملك

ومن أشهر العصي في التاريخ المصري القديم عصا “الحقا” وتعني كلمة حقا الحاكم وهي عصا قصيرة نسبيا معقوفة، وكان الملوك يحملونها بشكل متقاطع على الصدر مع عصا أخري تسمى عصا الواس، التي كانت تشبه المذبة والتي تعني الصولجان والذي يرمز إلى الاستقرار.

فن التحطيب

التحطيب في العصر الفرعوني- معبد مدينة هابة
التحطيب في العصر الفرعوني- معبد مدينة هابة

ومن الثابت تاريخيا أن جذور فن التحطيب بالعصا ترجع أصوله إلى العصر الفرعوني، إذ وجدت نقوشًا في معبد مدينة هابو، الذي بناه الملك رمسيس الثالث في عصر الأسرة العشرين من حقبة الدولة الحديثة 1152-1183ق. م،  تصور مجموعة من الجنود وهم يتبارزون بالعصا، كما وجدت مناظر في مقبرة “خرو أيف” في مقابر النبلاء بالعساسيف بالبر الغربي بالأقصر لبعض الرجال يتبارون بالعصا.

منظر للتحطيب من مقابر النبلاء
منظر للتحطيب من مقابر النبلاء

وقد أشار بعض الباحثين الأثريين إلى أن رقصة التحطيب هي نوع من أساليب التأمل الحركي، بهدف الوصول إلى التوازن المادي بين الأجسام الأربعة “الجسم المادي والعقلي والروحي والعاطفي”، وتشير النصوص القديمة إلى أن القدماء كانوا يستخدمون لفافات البردي حتى لا يصاب اللاعب بالأذى وكان يصاحب اللعبة خلفية موسيقية، وتطور الأمر بعد ذلك واستبدلت لفافات البردي بالعصي الخشبية.

لم تقتصر هذه اللعبة على العصر الفرعوني فقط، بل نجدها في العصر الإسلامي مصورة في مخطوط مملوكي لألعاب الفروسية يرجع للقرن التاسع الهجري 9 هـ- 15م، محفوظ في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة برقم سجل (18019 -18021) من هذا المخطوط خمس تصاوير ثلاثة منها في متحف الفن الإسلامي واثنتان في مجموعة شريف صبري والتصاوير تمثل رجالا يتبارزون بالعصي، أما راجلين أو على ظهور الخيل.


 

المراجع:

1- الرمز والأسطورة في مصر القديمة  رندل كلارك- ترجمة أحمد صليحة

2- كتاب سير الان جاردنر “دروس في اللغة المصرية القديمة من الدرس الأول وحتي الدرس العاشر ”

3-http: //godofmuseums. blogspot. com. eg/ موقع المتحف المصري

4-بحث منشور في جريدة الحياة الدولية بعنوان “تراث العصا وواقع الحال” -الكاتب ك: الفت التنير -العدد رقم 12780-صفحة 21

5- د.سمية حسن إبراهيم، العادات المصرية القديمة في العصر الإسلامي، القاهرة: مكتبة غريب 1977، ص 63-64

6- عبد الرحمن زكي، موسوعة مدينة القاهرة في ألف عام، القاهرة: مكتب الأنجلو المصرية، 1987، ص57.

7- حمد الصباحي عوض الله خليل، المهارات والألعاب الشعبية: فرعونية ريفية مصرية، القاهرة: دار الكتاب العربي، 19، ص 9- 11.

الوسوم