هوس التنقيب عن الآثار.. طريق يبدأ بحلم وينتهي بمأساة

هوس التنقيب عن الآثار.. طريق يبدأ بحلم وينتهي بمأساة

شهدت مدينة دشنا وعدة قري تابعة لها، خلال الأشهر القليلة الماضية، عدة وقائع تنقيب عن الآثار، تم اكتشافها بواسطة مباحث الآثار، الأمر الذي يطرح علامات استفهام عدة حول قضية التنقيب، التي حولت العديد من البيوت إلى حفر وقبور في سبيل سعي أصحابها وراء حلم الثراء السريع الزائف، الذي سرعان ما يتبخر وكثيرا ما يؤدي بصاحبه إلي الموت دفنا داخل السراديب التي تنهار فوقه.

ولاد البلد” تفتح ملف التنقيب عن الآثار؛ لمعرفة الأسباب التي أدت إلي انتشار هذه الظاهرة، التي باتت تهدد أرواح المئات ومستقبل أبنائهم، وتجعلهم يقعون فريسة سهلة للدجالين، الذين يوهمون ضحاياهم بأنهم يملكون فك طلاسم المقابر، وضمان السيطرة علي حراس المقابر الفرعونية، بحسب قولهم.

يقول أسعد حرب، عامل، إن الفقر هو السبب الرئيسي لانتشار هذه الظاهرة التي قاربت علي أن تأكل الأخضر واليابس في بلادنا، مضيفا أن الظروف المعيشية الصعبة وحالة الغلاء الشديدة، التي طالت كل شيء، جعلت الناس يبحثون بشتى الطرق وبأساليب مشروعة وغير مشروعة عن الثراء السريع، فيتجهون للتنقيب عن الآثار التي كثيرا ما تؤدي بأصحابها إلي غياهب السجون “ويبقى بدل ما يكحلها عماها”، بحسب تعبيره.

أما مصطفي غريب، طالب، فيعتقد أن تداول أخبار عن أناس تمكنوا من عبور “خط الفقر” بحسب تعبيره، من خلال التنقيب عن الآثار؛ جعل المئات مستعدين لخوض التجربة، علي الرغم من خطورتها الشديدة، متمنيا أن يغلق الأهالي هذا الملف الذي دائما ما ينتهي بأصحابه إلي الاستدانة من القاصي والداني لجلب احتياجات من وصفهم بالنصابين، الذي يدعون أن لديهم قدرات خارقة في استرضاء حراس المقابر.

ضحايا الوهم

اثار مضبوطه ارشيفية
اثار مضبوطه ارشيفية

“عشرات الشباب ممن هم في عمر الزهور لقوا حتفهم وانتهي بهم الأمر بداخل حفرة في مقبرة، ودفنوا بجوار هذه اللقايا” بهذه الجملة يعبر أشرف سالم، عامل، عن غضبه من استمرار محاولات البعض البحث عن الآثار، مشيرا إلي أن عدة قري بدشنا مثل فاو قبلي وأبو مناع ونجع سعيد والشيخ علي، شهدت مصرع العديد من أبنائها أثناء تنقيبهم عن الآثار، مستغربا من الهوس الشديد الذي أصبح ينتاب الشباب، وبدلا من السعي في البحث عن مصدر رزق حلال، راحوا يتداولون فيديوهات عن مقابر أثرية يحلمون باختراقها.

“وجود أثار في باطن الأرض ولقايا لا يمكن إنكاره ولكنها تكتب للموعودين وليس الحسابين” هكذا يقول صبري عبد الفتاح، مزارع، مؤكدا أن هناك أشخاص لم يكن في حسبانهم موضوع الآثار بالمرة، ولكن لأنهم من الموعودين، ظهرت لهم اللقايا علي وجه الأرض، وأصبحوا من الأثرياء بين عشية وضحاها، أما بالنسبة “للحسابين” والكلام علي لسان عبد الفتاح “فإنهم يظلون يخططون ويرسمون ويجلبون السحرة والدجالين وأغلبهم منتفعين ونصابين، ويقودونهم إما إلي السجون أو إلي جعلهم يخربون بيوتهم بأيديهم ويحولونها إلي مقابر يسكن فيها الأحياء” بحسب تعبيره.

زوار الفجر

ويشير محمد سليمان، موظف، إلي أن التنقيب عن الآثار تطور خلال العشر سنوات الأخيرة، متابعا: كان في السابق يوجد ما يطلق عليه الأهالي “زوار الفجر” وهو اللقب الذي كان يطلق علي مكتشفي الآثار واستخراجها وقت الفجر لضمان سرية الأمر، مضيفا أنه في بعض الأحيان كانت هناك أساليب أخري لاستخراج الآثار خفية، وهي أن يقوموا بقطع التيار الكهربائي عن المدينة، وربما تطلب الأمر عن المحافظة بأكملها، لضمان عدم الكشف عن هوية الغرباء الذين عادة ما يكونون من جنسيات أجنبية مختلفة.

ويضيف سعودي ممدوح، تاجر، أن الوضع اختلف تماما عن السابق، وأصبح “الكحت في البيوت” علانية وفي وضح النهار، مرجعا ذلك إلى ضعف القبضة الأمنية من ناحية، ومن ناحية أخري معرفة الأسر المحيطة بالأمر، وفي كثير من الأحيان يقومون بالمشاركة في التنقيب فربما نالهم من الحب جانب، بحسب تعبيره.

ارشيفيه من التنقيب عن الأثار
ارشيفيه من التنقيب عن الأثار

أساطير وروايات

“عالم التنقيب عن الآثار لا يخلو من الإثارة والحكايات الغريبة؛ بعضها صحيح وبعضها من نسج خيالات الأهالي” هكذا يقول إبراهيم عباس، موظف، مشيرا إلي أن هناك روايات تحكي عن وجود سراديب تمتد من دشنا إلي محافظة الأقصر، التي كانت قديما تسمي “طيبة” عاصمة مصر القديمة، مضيفا أن الرواة يؤكدون علي وجود هذا النفق السحري، الذي يقودك إلي الأقصر في أقل من 10 دقائق سيرا علي الأقدام.

ويروي ياسر عبدالكريم، عامل، أن هناك قصص عديدة يتداولها الأهالي حتي وقتنا هذا، أهمها وأكثرها غرابة، مطالب السحرة والدجالين التي تتعدي حدود المبالغ المالية والبخور المكلفة، حيث يطلب بعضهم أن يتم ذبح أشخاص علي عتبة هذه المقابر لاسترضاء حراسها من الجن السفلي، كما يعتقدون، مشيرا إلي أن هناك عدة حالات سجلتها محاضر الشرطة في عدة محافظات بمصر بالعثور علي جثث ذبحت علي عتبات المقابر لجلب الكنوز القابعة بباطن الأرض.

مركز شرطة دشنا

تحت سلطة القانون

ويوضح أحمد الدقان، محام، مستشار التحكيم الدولي، أن القانون يعاقب من يثبت تنقيبه عن الآثار، حتي وإن كانت داخل منزله، بالسجن لمدة لا تقل عن  3 سنوات ولا تزيد عن  5 سنوات، بالإضافة إلي  غرامة لا تقل عن  5 آلاف جنيه ولا تزيد عن  50 ألف حنيه، لكل منقب عن الآثار بدون الحصول على إذن كتابي من المجلس الأعلى للآثار.

ويطالب الدقان المسؤولين بسن عقوبات جديدة رادعة للحد من انتشار حالات التنقيب، في ظل وجود حالة من الهوس الشديد الذي أصاب الأهالي، سعيا وراء تحقيق مكاسب سريعة، خاصة في صعيدنا الذي أوشكت مئات المنازل به على السقوط والانهيار جراء الحفر بداخله، بحثا عن “لقايا الفراعنة” إضافة إلي تربح عصابات منظمة يوهمون ضحاياهم بوجود آثار بداخل منازلهم.

اثار تم ضبطها بدشنا
اثار تم ضبطها بدشنا

بيع التاريخ

ويعتقد عربي كمال، محام، أن التنقيب عن الآثار وسرقتها وبيعها، هو بيع لتاريخ الوطن، وتجريف لثروته الحقيقية الخالدة، مطالبا بتعديل قانون الآثار الذي يحمي الذين يحتفظون في قصورهم بمقتنيات الحضارة، كما يحمى اللصوص وكبار التجار من المنقبين والباحثين عن الثراء الفاحش.

ويطالب كمال بتعديل قانون الآثار الحالي، خاصة الثغرات الموجودة بالقانون رقم 117 لسنة 1983، المعدل بالقانون رقم 3 لسنة 2010، بسبب ضعف عقوبة تهريب وسرقة الآثار والتنقيب العشوائي عنها بغرض تجميعها وبيعها لكسب مبالغ مادية طائلة، فالعقوبة ضئيلة جدا ولا تتناسب مع الجرم الذى يعد بيعا صريحا لتاريخ الوطن.

ويعتقد المحامي أن استمرار التنقيب عن الآثار بطريقة غير شرعية يأتي نتيجة تقاعس شرطة الآثار وشرطة السياحة في حماية المواقع الأثرية، مستشهدا بواقعة بيع أحجار من أهرامات الجيزة التي حدثت في الآونة الأخيرة، وتداولتها وسائل الإعلام المتعددة.

ضبط اثار في دشنا - ولاد البلد
ضبط اثار في دشنا – ولاد البلد

موقف الأمن

ويؤكد مسؤول أمني بمديرية أمن قنا، لـ”ولاد البلد” أن هناك عشرات المواطنين بمراكز المحافظة يتم القبض عليهم بمعرفة مباحث الآثار بالأقصر، بتهمة التنقيب عن الآثار، ملمحا إلى أن غالبية الضبطيات إن لم تكن جميعها تكون إخباريات، أو بسبب اختلاف الشركاء علي اقتسام الآثار التي عثروا عليها، مشيرا إلي أن مركز دشنا يعد من أكثر المراكز الذي ضبطت به حالات تنقيب، خلال الآونة الأخيرة، ولكن وبسبب عدم وجود دليل مادي “حرز” وأيضا لضعف القانون، تقوم النيابة العامة بإخلاء سبيلهم بعد أيام من ضبطهم، بضمان كفالة مالية.

“يعتقدون أن السماء تمطر ذهبا” هكذا يصف محمد عبد اللطيف، دكتوراه في علم النفس، الشعور الذي ينتاب المنقبين عن الآثار، مشيرا إلي أن هذا هو المفهوم المترسخ لدى الكثير منهم.

ويضيف أن الغالبية منهم يؤمنون تماما بأن التنقيب أسهل وسيلة للكسب السريع، ويستحق المجازفة وخوض المغامرة، التي في الغالب تكون عواقبها وخيمة، حيث يقعون في عمليات نصب من قبل الدجالين وغيرهم، بسبب سعيهم وراء أهداف غامضة، تنتهي بهم إلي إصابتهم بحالة من الإحباط، يتبعها شعور باللامبالاة، ليضيفوا بذلك إلي معاناتهم معاناة جديدة.

 

الوسوم