قصة قصيرة| حالة فلسفية

قصة قصيرة| حالة فلسفية
كتب -

بالرغم من أن الجميع قد نصحه بخطورة التعمق في قراءة ديانة القدماء إلا أنه لم يستمع إلي أي من تلك النصائح، قد يقودك شغفك هذا إلى الجنون!

هذا ما قاله له صديقه الحميم وراح يقص عليه قصة ذلك المرشد السياحي الذي أخطا نفس الخطأ- الذي يظن صديقي الحميم أني مقدم على اقترافه- لقد فقد عقله ولم يعد قادر على مزاولة مهنته ودائما ما يشاهده وهو يكلم نفسه هاذيا أحيانا بالعربية وأحيانا أخري بالألمانية وكل هذيانه عن الديانة المصرية القديمة.

ضحك وأشعل سيجارة ونفث الدخان بعمق وقال لنفسه: فليكن.

كانت الرغبة الجارفة في الفهم والمعرفة قد اجتاحته بشكل كبير ووصل لمرحلة لم يكن يمكن أن تجدي معها أي نصيحة، لقد أصبح مثل المجذوب الذي يهيم مع الحضرة تاركا لروحه العنان لأن تحلق في سماء العشق، يظل يهيم في الذكر يسرة ويمينة ولا يستجيب للنداءات التي تحذره صائحة حتى يسقط مغشيا عليه، وإذا ما أفاق تراه يعيد الكرة من جديد كأنه يريد أن يصل إلى الحالة التي حذره الآخرون منها.

انغمس في قراءة الديانة القديمة بل تعمق في دراستها وفي فلسفتها، قضى شهورا وهو يتنقل من كتاب إلى آخر لا يعرف عن ماذا يبحث أو ما الذي يريد أن يفهمه؟!

في تلك الليلة عثر على أحد الكتب القديمة المترجمة إلي العربية، الأوراق كانت صفراء قاتمة قضي ليلته يقرأ ويحلل ويقارن ويدون الملاحظات، توقف كثيرا عند الباب الذي تحدث عن القلب في الديانة المصرية القديمة.

القلب وفقا للقدماء هو عضو التفكير والإحساس لذا فلقد كان يعد أهم الأعضاء في جسد الإنسان بل أكثر أهمية من المخ، فلقد اعتقد القدماء أن الدم الذي يضخه القلب إلي سائر الأعضاء ما هو إلا مجموعة من الرسائل أو الأوامر العصبية التي يبعث بها العضو الحاكم ألا وهو القلب إلي سائر الأعضاء.

ببساطة شديدة اعتبر القدماء أن الشخص ما هو إلا قلب لذا عندما أشاروا إليه في لغتهم رمزوا إليه في صورة وجه بشري، والحقيقة العلمية البحتة تثبت هذه النظرية حيث ثبت أنه بعد مرور ما يزيد عن أربعين يوما يمكن للطبيب أن يسمع نبضات قلب الجنين قبل أن يتخلق بصورة كاملة، كما ثبت حديثا أن للقلب ذاكرة عصبية أشد تعقيدا من ذاكرة المخ العصبية، وهي المسؤولة عن ذاكرة المشاعر والأحاسيس.

راح يقرأ ويقرأ حني وصل إلى المحاكمة الأخيرة للميت وهي التي يتم فيها وزن القلب بريشة العدل؛ والتي تحدد وزن القلب فيجب أن يكون القلب أخف وزنا من الريشة ليكون الشخص صالحا ويستحق الذهاب إلى الفردوس.

أما إذا كان قلبه أثقل من الريشة فمعنى ذلك أنه شخص مذنب ذو قلب ثقيل محمل بالخطايا فينال العقاب بأن يبتلع ذلك الحيوان الخرافي الواقف بجوار الميزان قلبه، فيحرم من التمتع بالحياة الأخرى لأنه لم يعد له قلب.

توقف كثيرا عند هذه الفكرة وراح يقارنها بالفكر الإسلامي الذي يتحدث عن القلب وكيف أنه المسؤول عن صلاح الجسد كله، وحاول أن يفهم الأمر بصورة أوضح، وسأل نفسه سؤالا حيره الليل بطوله: هل القلب كائن مستقل عن الإنسان أم جزء منه؟

بمعني لو أن القلب انفصل عن الجسد ووضع في جسد آخر هل يكتسب ذلك الآخر نفس المشاعر والأحاسيس والأفكار؟

ساعات قضاها يفكر في إجابة ذلك السؤال حتي أدركه التعب وبدأ الخدر يسري إلي أوصاله، فنام بعمق وفي الصباح بدأ رحلة البحث من جديد عن إجابة السؤال.

الوسوم