في ذكرى رحليه.. الدشناوية يفتحون صندوق ذكرياتهم مع الخال “عبد الرحمن الأبنودي”

قنا- مصطفي عدلي وأحمد طه:

عام بالتمام والكمال مر علي رحيل، الشاعر الجنوبي الكبير عبد الرحمن الأبنودي، حالة الحزن الشديدة التي انتابت الشارع الدشناوي وقتها، عبرت عن مدي ارتباط الأهالي العامة والمثقفين، بالخال الذي دخل كل بيوت دشنا عبر شرائط كاسيت لشاعر السيرة الهلالية العم جابر أبو حسين، وتسلل إلي قلوبهم حتى أن الأهالي بدشنا يشعرونك أن الأبنودي واحدا منهم وليس غريبا عليهم، يحكي عن همومهم بأسلوبهم وبلهجتهم الصعيدية التي رفض أن يتخلي عنها وظل يتباهي بها رغم تواجده بقاهرة المعز طيلة سنين عمره التي توقفت عند الرقم 76.

“ولاد البلد” تفتح صندوق ذكريات أهالي دشنا مع الخال عبد الرحمن الأبنودي، بمناسبة الذكري الأولي لرحيل شاعر الجنوب.

صندوق الذكريات

يري محمد عبادي، أديب من دشنا مقيم بدولة قطر، إن رحيل الأبنودي، ضربة موجعة أصابت جسد الشعر العربي وأحزن الوطن العربي أجمع، مشيرا إلى أن الشاعر الذي عرف ببساطته تغنى بكلماته وأشعاره كبار المطربين في الوطن العربي مثل عبد الحليم حافظ، وصباح، ونجاة الصغيرة، وعبد الله الروشيد.

ويروي عبادي ذكرياته مع الخال، مشيرا إلى لقاء جمعه بالأبنودي في عام 2002 بدولة قطر في بداية عمله هناك كشاعر مستقل، وكان الخال مدعوا لإحياء أمسية شعرية بنادي الجسرة القطري، وذهبت إليه وعرفته بنفسي وكان مبتهجا باسما كعادته، وألقيت على مسامعه بعض من كلماتي، فكانت نظراته تصيبني بالرهبة وتجعلني أنطق الأحرف والكلمات بتلعثم حتى انتهيت ليفاجئني هو بالثناء على كلماتي، ودعاني لحضور الأمسية الشعرية قائلًا لي بلهجته المعهودة “أنت تاجي بكرة وأنا هقدمك للناس وتسمعهم مما أسمعتني الآن”، وجاء وقت الأمسية، وعندما أمسك الأبنودي بالمايك وجاء الدور لتقديمي، كنت وقتها أتمنى ألا يفعل من شدة رهبتي، لكني جدته يقول ببساطته وأسلوبه الساخر: “والآن مع واحد شبهنا.. واحد بلدياتنا وزيينا.. الآن مع محمد أبو العبادي”، وعند صعودي للمنصة داعبني الأبنودي قائلًا “اسمع بس ماتطولش.. هما مأجريني أنا مش إنت” وإذا بالقاعة كلها تضج من الضحك، بينما أصابني الارتباك أكثر وأكثر، فقلت له: هي قصيدة واحدة بس، فقال: طيب.. استني والقصيدة دي تطلع كام صفحة؟ ولا عاوز تاخد الليلة وحدك وأنا أطلع بلوشي، فقلت له مرتبكا: صفحتان فقط، فقال لي: طيب تفضل، وألقيت قصيدة عن الحصار العالمي للعراق الشقيق، واسترسلت ولم أفق إلا على تصفيق الحضور وإثنائهم عليّ وبعدها ألقى إلي الخال ببعض النصائح، تذكرتها وتذكرته حينما قمت بتقديم ندوة بنادي الجسرة القطري قبل أيام، وكادت دموعي تخذلني عندما تذكرت لقائي بشاعرنا الجنوبي في المكان نفسه وأنا غير مصدق أنه فارقنا حتى هذه اللحظة.

ذكريات الغربة

ويشير عبد الفتاح عبد الشافي، أحد شعراء دشنا، أنه قابل الشاعر الراحل في أكثر من أمسية شعرية في دولة قطر، أثناء عمله بجمرك قطر، كانت إحداها في مسرح قطر الوطني عام 1999 تقريبا، وكانت الأخرى بعدها بعامين تقريبا في شيراتون الدوحة، وكذلك كان لي شرف الحضور لندوتين أقيمتا في نادي الجسرة الثقافي بقطر.

ويشير عبد الشافي إلى أن مجيء الأبنودي لنا كمغتربين كان يعني حضور جزء أصيل من أرض مصر، مضيفا أن الخال كان مهتما بمناقشة همومنا ومتاعبنا بالغربة، وكان يحاول قدر استطاعته أن يقدم لنا حلولًا ونصائح هامة، وكان مهتما بأن يسرد لنا المعاناة التي لاقاها أبان حرب السويس أو حرب الاستنزاف التي كتب في حينها ديوانه الشهير دماء على الأسفلت وكذلك ديوان وجوه على الشط، حتى وصل إلى ما وصل إليه من حب الناس وشهرة، وكان يقصد أن ينمي لدينا حافز الإصرار للنجاح وحب الوطن وكان هذا الأمر له بالغ الأثر في نفوسنا، رحم الله الخال بما قدمه لنا وما أمتعنا به وما قدمه لمصر والوطن العربي بأكمله.

قول يا عم جابر

ويتابع الحاج عدلي أبو الحمد، صاحب أقدم محل لبيع شرائط الكاسيت في دشنا، بأن الأبنودي وإن كان قد رحل عن عالمنا لكن كلماته ستظل حاضره في أذهان أهالي دشنا الذين مازالوا يحتفظون بشريط الكاسيت، رغم تطور العصر وظهور الأقراص الصلبة التي تحمل الملفات الصوتية والمرئية، إلا أن المئات مازالوا يحتفظون بشرائط السيرة الهلالية حبا في الشاعر الجنوبي الطيب.

ويعتقد أبو الحمد أن الأبنودي استطاع أن يشكل “دويتو” رائع مع الشاعر الكبير العم جابر، استطاع من خلاله أن يحافظ على تراث السيرة الهلالية التي قدمها الشاعر من خلال 52 شريط كاسيت بالإذاعة، لافتا إلى أن هناك عشرات القصص النادرة التي لم تر النور وظلت حبيسة داخل بكرات شرائط الأمير القديمة التي كانت تسجل عليها الحفلات النادرة، والتي لم يسعف الوقت الأبنودي في تدوينها ضمن تراث السيرة مثل قصص الوحش برطوم، ومجاجه.

القط والخال

“حبي للفن الشعبي وتشجيع الخال عبدالرحمن الأبنودي لي ساعداني على الظهور للجمهور بشكل جيد كفنان شعبي وراو لمواويل السيرة الهلالية”، بهذه الكلمات بدأ الفنان الشعبي الشاب القط عبدالله، ابن قرية المراشدة بقنا، حديثه لـ”ولاد البلد”، في ذكري وفاة لأبنودي.

يقول الفنان الشاب إنه تقابل مع الخال أثناء تأديته فقره شعبية في حفل بمرسى علم، دعي إليها من قبل رئيس مباحث البحر الأحمر، مشيرا إلى أن الشاعر الكبير قام بتأليف مقطوعة شعبية خاصة له ليلقيها على الجمهور بعنوان “بنيه حلوة جميلة”، مضيفا “بعد أدائي للفقرة التي لاقت استحسان الحضور، احتضنني الشاعر الكبير وسألني إن كنت ورثت المهنة من أحد أقاربي، ولكنه فوجئ بأني أمارس فن الموال كهاو، فقال لي حرفيا الهواية تغلب الوراثة.

ويضيف “طالبني بالحفاظ على صوتي والعمل على تنمية قدراتي في فن ارتجال الموال الصعيدي”، لافتا إلى أنه فضل الفنون الشعبية عن سرد السيرة الهلالية لأنها قد تتسبب في كثير من الأحيان في تجديد الخلافات والخصومات بين العائلات الذين يتأثرون بأحداث السيرة ويطبقونها على أرض الواقع.

نضال الشاعر

ويكشف أحمد يوسف مهنا، زميل الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي في المرحلة الثانوية، أن الفقيد كان يمتاز بالحيوية والنشاط للدرجة التي جعلته يقود أول مظاهرة ضد العدوان الثلاثي في المدرسة الثانوية، التي أنشأت في قنا عام 1927، مضيفا أن زميله الراحل قدم استقالته من عمله ككاتب في محكمة قنا الابتدائية بعد رفضه الذهاب لحضور جلسة في محكمة دشنا الجزئية، حيث إنه لم تستهوه الوظيفة وقدم استقالته التي كتبها في 16 صفحة ومعظمها بالشعر.

وفاء للأصدقاء

ويؤكد الحاج جمال نصاري، أحد أصدقاء الأبنودي المقربين بقريته أبنود، أن الخطابات التي كان يرسلها الأبنودي له صمم على أن يتسلمها قبيل موته لتبقي بعض أشيائه الثمينة لدى صديقه الذي يحتفظ بالكثير من أسراره، والتي جعلت الأبنودي ذاته يقول له في أحد خطاباته “أنت يا جمال نعمة الله لي”.

ويضيف صديق الشاعر أن القصائد التي كتبها الأبنودي بخط يده بعضها لم ينشر، لافتا إلى أن هناك قصائدا كان يرسلها له من الإسماعيلية بالبريد ليقوم هو بإبداء الرأي فيها، مشيرا إلى أن الأبنودي كان يمتاز بالحيوية والنشاط وهي التي جعلته لا يكف عن اكتشاف الكثير من الشخصيات ويقوم بالكتابة عنهم بحس إنساني وشاعري راق.

الخال ودشنا اليوم

كان للخال موقفا مع صدور مطبوعة “دشنا اليوم” لأول مرة، حيث أجرى الشاعر الكبير اتصالا هاتفيا برئيس التحرير بعد صدور أول إصدار من “دشنا اليوم”، مشيدا بالتجربة الجديدة، التي ترعاها مؤسسة ولاد البلد للخدمات الإعلامية، من حيث ضخ جيل جديد من الصحفيين المحليين ليحملوا راية الدفاع عن هموم مجتمعاتهم المحلية، التي لاقت تهميشا من قبل الصحف المركزية، شريطة أن تظل متمسكة بهويتها معبرة عن آراء المواطن الصعيدي الذي وجد أخيرًا من يستمع إليه ويوصل شكواه للمسؤولين، لافتا إلى أن والده ارتبط بعلاقة وثيقة مع عائلة بيت الوكيل بدشنا، وكان دائم الذهاب إليه بقرية الجحاريد.

الوسوم