عندما استباح المصريون “شريان الحياة”

عندما استباح المصريون “شريان الحياة”

لم يعد مسمى “شريان الحيان” يعد وصفا دقيقا ولائقا لـ نهر النيل في وقتنا الحالي خاصة في محافظة قنا جنوب مصر، إذ شهدت مراكز عدة بالمحافظة خلال الأشهر القليلة الماضية عدة حالات تلوث، جعلت حرم النهر الذي يعد واحد من أطول أنهار الأرض، مستباحا لجميع الملوثات، التي تتسبب في إصابة المواطنين بأمراض سرطانية وكبدية خطيرة، وتجعل من نهر النيل، الذي طالما تغنينا ودافعنا عن حقوقنا التاريخية به خطر كبير يهدد حياتنا.

ولاد البلد  تطرح من خلال هذا التقرير تساؤل، من يحاسب المتهمين عن التلوث الذي غير طعم مياهنا، ولماذا لا يقدم المتسبب للمساءلة، وإلى متى سيظل المواطن القنائي يشرب الماء تارة بطعم الصرف الصحي، وتارة أخري بنكهة الفوسفات والسولار؟

صندل الفوسفات الغارق

بطعم فوسفات

في 21 أبريل من العام الماضي سقطت ناقلة تابعة للقوات المسلحة، في نهر النيل، إثر اصطدامها بكوبري دندرة، سقوط الناقلة، التي كانت قادمة من أسوان في طريقها للقاهرة في النيل، الحادث الذي لم يسجل ضحايا أو مصابين، أثار فزع المواطنين وحرك موجه كبيرة من التعليقات الساخرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الناقلة كانت تحمل علي متنها 500 طن فوسفات، استقروا في قاع النهر، ما دعى مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي لإطلاق “هاشتاج” حصل علي متابعات الملايين بعنوان “فوسفات في النيل، قبل أن تنجح القوات المسلحة ومسؤولي وزارة الري بعد 3 أيام من غرق الناقلة من انتشال كميات الفوسفات التي لم تكن أكملت ذوبانها بشكل كامل بعد.

اثناء تعبئة الجراكن (Copy)

الصرف الصحي

العينات التي أجراها عدد من الباحثين والخبراء، علي مياه النيل أكدت أن النهر يستقبل يوميا كميات كبيرة من مباه الصرف الصحي، إما بسبب صرف المصانع الواقعة بجوار حرم النهر مثل مصانع السكر والفيبر بورد، مباشرة الي النيل، من خلال مواسير وضعت في أماكن سرية أسفل قاع النهر، أو إلقاء أصحاب سيارات الكسح مياه البيارات بداخله، بدلًا من إلقائها في الأماكن المخصصة لذلك في الظهير الصحراوي، ويتدوال مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي صورا لسيارات كسح تفرغ شحنتها بداخل نهر النيل.

نهر النيل بدشنا

سولار في النيل

واقعة ظهور كميات كبيرة من السولار علي سطح نهر النيل بالأمس، لم تكن الحالة الأولي، بعد أن تكرر ظهور البقع الزيتية عدة مرات في النيل، الأمر الذي يستوجب معه قطع المياه عن المرشحات والمأخذ لحين مرور البقعة من أمامها أو تفتيتها بواسطة فرق حماية نهر النيل.

“المسؤولون بيوفروا لنا السولار مجانا في المياه” هكذا سخر محمد لطفي، مزارع، من الحالة التي وصلت إليها مياه النيل، مشيرًا إلى أن المياه مهما تعرضت لترشيح، أو إضافة المزيد من الكلور، فإن طعمها يظل غريبًا، وخاصة عندما نعلم أن هناك زيت أو سولار في النيل.

علي نصر، رئيس شركة مياه الشرب بمدينة دشنا، يقول إنه في حال اكتشاف تلوث بمياه نهر النيل، في المناطق الواقعة أمام مرشحات ومأخذ المياه بدشنا، نبدأ في اتخاذ حزمة  إجراءات، تبدأ من قطع المياه وغلق المرشحات، للتأكد من مرور البقعة أو تفتيتها، مع وضع مصدات لمنع تسرب البقعة الي مأخذ المياه.

يتابع: هذا فضلًا عن كافة الإجراءات والتدابير القانونية حيال المتسبب في تلوث المياه، بالتنسيق مع قسم البيئة بمجلس مدينة دشنا.

مصنع سكر دشنا

اتهامات

يقول أحمد الدقان، محام، ناشط سياسي، إنه تقدم بشكوى ضد المسؤولين التنفيذيين بمصنع سكر دشنا، وقطاع المعامل، وشركة مياه الشرب والصرف الصحي بدشنا، لتسببهم في تلوث المياه لعدة مرات، الأمر الذي يعرض المواطنين للخطر ويهدد بتدمير الثروة السمكية في النيل.

ويشير الدقان إلى أن محامي شركة السكر ومسؤول قسم المعامل بشركة الصرف الصحي، أكدوا براءة مصنع سكر دشنا من تهمة تلوث المياه بالبقعة الزيتية الأخيرة، بحسب نتيجة المعاينة التي أجريت، متسائلا من أين أتت بقعة تلوث المياه إذن؟

ويقول موظف بشركة السكر، فضل عدم ذكر اسمه، إن شركات السكر تعودت خلال هذه الفترة من كل عام، مع قرب الانتهاء من موسم العصير صيانة ماكيناتها، وغسلها بكميات كبيرة من السولار.

ويضيف أن المصنع يصرف مخلفاته لنهر النيل فمن الطبيعي أن تجد كميات كبيرة من هذه المواد البترولية طافية علي سطح النهر، كما أن مصدر المخلفات من الصعب كشفه، لأن المواسير تصرف المياه على أعماق بعيدة.

صرف المياه في النيل - ارشيفية

من يحاسبهم

ويتساءل محمود سعودي، مزارع، من يحاسب المتسببين عن تلوث مياهنا، وإرسال الأمراض السرطانية إلينا في صورة كوب مياه، مضيفا “لم نسمع من قبل عن مواطن أو مسؤول أدين في تلوث نهر النيل، فمن يحاسب المتهمين؟ ومن يضمن لنا عدم تكرار أسباب التلوث مرة اخري؟

أما سعودي محمد، موظف بالأوقاف، يطالب المواطنين بالكف عن إلقاء المخلفات والملوثات في حرم النيل، لأنه مظهر من أهم مظاهر الحياة علي سطح الأرض.

ويضيف محمد، يجب ان يكون لمراكز الشباب ونوادي الثقافة، والمثقفين دور في توعية المواطنين بأهمية الحفاظ علي قدسية نهر النيل، مستشهدا بآيات من القرأن الكريم: ” وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ”.

مادة 44

عقوبات

وينص قانون البيئة المصري في البند  26 “التصريف”، أن كل تسرب أو انصباب أو انبعاث أو تفريغ لأي نوع من المواد الملوثة أو التخلص منها فى نهر النيل والمجاري المائية، أو مياه البحر الإقليمي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة أو البحر، يعد مخالفة لأحكام ولائحته التنفيذية، ويترتب عليه العقوبة التي يقرها القانون.

وفي المادة (44) من الدستور التزمت الدولة بحماية مياهها الجوفية واتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمن المائي، كما كفل الدستور في المادة (46) منه الحق في البيئة صحية وسليمة، والتزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها.

يذكر أن مصنع سكر دشنا تسبب في انقطاع المياه عن المدينة وقراها في 11 نوفمبر الماضي، بسبب تسرب زيت من المصنع إلى نهر النيل، ووقعت وزارة البيئة وقتها عقوبات على مصنع السكر لتسببه في تلوث المياه.

نفوق الأسماك من ارشيف ولاد البلد

أضرار

ويقول الدكتور سعيد شحاته، خبير تغذية، إن تلوث المياه سواء بالمواد بترولية أو مياه الصرف الصحي، أمر خطير ويهدد صحة الإنسان، إضافة إلى أنه يسبب تناقص الأحياء المائية، ويضرب الثروة السمكية التي تنفق بسبب تلوث المياه.

ويشير شحاتة إلى أن أكثر الحالات المصابة بأمراض سرطانية في مصر بسبب تلوث المياه، التي تؤدي أيضا إلى الإصابة بأمراض الربو والحساسية، والأمراض الجلدية وأمراض العيون واضطرابات المعدة وتضخم الكبد، وغيرها من الأمراض الخطيرة، بالإضافة إلى أنها من الممكن أن تتسبب في تشوهات الأجنة بالنسبة للسيدات الحوامل.

وينصح خبير التغذية بالتوقف عن شرب الماء في حال تلاحظ تغير لونه أو طعمه، أو تلاحظ وجود الكلور المسؤول عن تطهير المياه بسنبة كبيرة، مشددًا على ضرورة أخذ عينة من المياه وتحليلها بواسطة معامل مختصة للتأكد من سلامتها.

الوسوم