قبل رمضان بأيام يعلن أطفال قريتنا (السمطا) الطواريء.. الكراريس والكتب القديمة تخرج من ثكناتها للقيام بدورها المعتاد.. تسلم نفسها لنا في خشوع وجلال لصناعة زينة رمضان..

أجلس وأطفال بيتنا بالساعات فوق السطح نعمل دون كلل.. ننتهي من مهمتنا السنوية التي تناطح قدسيتها الصيام والقيام بالنسبة لنا.. نمدد أشرطة الزينة ونوصلها بأفرع الأشجار وحواف البلكونات..

قبيل المغرب جلس جارنا «العجوري» بقامته القصيرة وشعره الأبيض وبساطته وابتسامته الدائمة.. ينادي على الأطفال يوزع عليهم «البلح».. نهرع إليه في حركات بهلوانية ونتسابق في الفوز بأكبر عدد من بضاعته.. بينما يجاهد الرجل المسن.. كي لا يكرر التوزيع على نفس الأشخاص..

يتعجب الكبار منا.. البلح حولنا وعن أيماننا وشمائلنا.. فلماذا ننتظر هذا العجوز.. كل يوم؟؟.

أطفال كثيرون يطرقون كوبري حديدي قريب “كوبري أبو غزالي” بالحجارة بشدة بالتزامن مع آذان المغرب… وكأنهم يضربون مدفع الإفطار..

في منتصف الليل.. يخرج العجوري ليباشر عملاً آخر.. يرفع تشتًا فوق رأسه وينادي على البيوت والناس ليستيقظوا للسحور.. كان البرد ساعتها شديد.. والكهرباء لم تصل القرية… وعواء الكلاب لا يكف..

مرت الأيام وسلمنا راية صناعة زينة رمضان لجيل بعدنا.. حتى اندثرت تماماً في الوقت الحالي لأسباب لا أعرفها..

مات العجوري منذ سنوات بعدما أدي مهمته في إسعاد الأطفال على طريقته وإيقاظ النائمين للسحور… حتى بعد دخول الكهرباء لم يتخل عن مهنته التي لا يتقاضي عليها أجر وظل مخلصاً لها حتى في سنوات مرضه..

يجلس الكبار فوق المصاطب بعد الصلاة يدخنون الشيشة ويحتسون الشاي في ارتياح وحبور..

تنشغل السيدات بعمل الطعام والشاي ونكتفي نحن باللعب.. برودة الجو تغري الجميع بإشعال النار في الحطب ثم يتحلقون حول دائرة اللهب مستمتعين بما تخرجه من حرارة.. ثم يتجاذبون أطراف الحديث حتى يغلبهم النوم أو يصيبهم الملل.