‹‹خايف أموت وأنت وأخوك مسافرين.. وماحدش منكم يمشي في جنازتي›.. عبارة طالما رددها جدي على مسامعي.. يستقبلني وشقيقي طالب الطب بحفاوة كبيرة وبفرحة الأطفال كلما عدنا من القاهرة.. ويودعنا بدموع تغالبه كل مرة رغم محاولاته أن يبدو متماسكاً أمامنا.. أتعمد كل إجازة ألا أخبره بموعد سفري إلا فى اللحظات الأخيرة.. أهرب من عتابه قائلا: ‹‹نازل تاني قريب يا جد››.

لا يتوقف لسانه عن الدعاء بالستر وطول العمر للأسرة.. الحاج عبد العزيز أبو بدر كبير العائلة الذي تجاوز التسعين من عمره اعتاد أن يكون أول المستيقظين في بيتنا، يبدأ يومه بصلاة الفجر، ثم الدعاء للأسرة فرداً فرداً دون أن ينسي الدعاء بالرحمة والمغفرة لوالديه.. يداعب شقيقي ليشخص له تعبه ويخاطبه دائماً بالدكتور، كثيراً ما يطلب مني قراءة بعض ما أكتبه فى الصحف، ويسألني عن تفاصيل العمل وعمن أكتب عنهم، ويقدمني لبعض كبار السن الذين يجلسون معه مفاخراً: ‹‹دا الأستاذ عاطف الصحفي››.

أبو بدر الذي منعه التقدم في العمر من زيارة أفراد عائلته لا يتوقف عن السؤال عن أقاربه حتى من لم يسألوا عنه.. تزداد سعادته كلما سمع بتقدم أحدهم مالياً أو علمياً قائلا: ‹‹الواحد يا ولدي عايز دايماً عيلته تبقي أحسن عيله وقريبك الكويس يرفع راسك فى كل مكان والفاشل مالهوش لازمة››.

يحفظ جدي تواريخ العائلات وأنسابها.. يمتاز بذكاء حاد وردود سريعة ودبلوماسية أحياناً وحادة أحياناً أخري، يحب الحديث عن عمله بالسويس في شبابه.. يتحدث عن ذكريات كثيرة وأصحاب أوفياء لا يعرف مصيرهم.. ذكريات الفيضان وكيف كان يعوم مئات الأمتار دون تعب.. لديه قدرة فائقة على الوصف للأماكن والأشخاص.. مثلما يلازمه حنين جارف للماضي، يبدو عليه التأثر الشديد كلما تذكر أحد أصدقائه الراحلين.. يحب الموالد والمداحين لدرجة العشق، كان يحرص حتى مرحلة متقدمة من عمرة على زيارة مولد عبد الرحيم القنائي كل عام.. يحب الرئيس عبد الناصر بصدق، ويتحدث عنه بوقار وشجن.. يتذكر جيداً النعش الرمزي الذي حملته قريتنا لعبد الناصر بعد وفاته، وبكاء الصغار والكبار.. تدهشك ذاكرة جدي.. وحفظه للأسماء والألقاب والأحداث.. يصر كل جمعة على الذهاب للمسجد بدابته ثم زيارة عمتي القريبة من المسجد: ‹‹مش عايز أتحبس في البيت.. أنا صحتي بترد على الزرع والناس››.. الحب الكبير فى حياته كان للزرع والأرض.. نصائحه لا تتوقف عن كيفية الزرع والحصد، يتقمص دور المهندس الزراعي وهو يشرف على والدي أو بعض العاملين في الأرض الخاصة بنا.

فى أوائل مارس 2012 كنت أتصل بالبيت وجاء صوت جدي عبر الهاتف: ‹‹عايز أشوفك مش عايز تنزل ليه؟››.. حاضر يا جد نازل قريب، في منتصف مارس وصلت لمنزلنا بقرية السمطا قبيل المغرب.. كان جدي يجلس أمام المنزل وأول من استقبلني بترحابه وأحضانه وفرحة الأطفال في عينيه، غيرت ملابسي وجلست إلى جواره نتحدث، تركته ليستريح وجلست مع إخوتي الصغار.. في حوالي العاشرة مساء نفس اليوم كان جدي خارج المنزل.. تعرض لحادث دراجة نارية أصابه بجروح وكدمات جعلته ينزف بغزارة.. خرجنا مسرعين.. مذهولين لكنه بحكمة الكبار كان يردد أنه بخير.. حملناه في سيارة للمستشفى.. لم يفقد وعيه لدقيقة واحدة، الدماء تسيل لكنه يردد في ثبات: ‹‹أنا الحمد لله كويس››.. امتلأت مستشفي دشنا المركزي بالأقارب.. واحدة من عماتي تتحدث عبر الهاتف وهي تبكي.. لم تقتنع أن حالته ليست خطيرة.. همست في أذنه: ‹‹عمتي.. عايزه تتطمن عليك››، تحامل على آلامه وقال بقوة: ‹‹أنا كويس يا بت، ما تجيش، خلي بالك من عيالك››.

في منتصف الليل تم تحويل الحاج عبد العزيز لمستشفى قنا العام، ومع وقت الظهيرة قمنا بعمل الأشعة وأخبرنا الأطباء بضرورة السفر للأقصر أو أسيوط.. وتم وضعه على جهاز التنفس الصناعي.. وطوال ذلك لم يفقد الوعي.. ولم تتأثر الذاكرة الصامدة عبر الزمن.. لم يشتكي من الآلام الشديدة التي كانت تعتصره.. شعرت أنها النهاية.. أخرجت عمتي ووالدتي من الغرفة.. وبقيت أنا ووالدي.. نظر لنا بابتسامة كبيرة وأدار وجهه في الغرفة.. ثم سكت الجسد للأبد، حاول الأطباء التدخل.. بلا فائدة.. شعرت أنه كان يستعجل الموت حتى لا يتعب أحداً معه.. بدأنا إنهاء التصاريح.. وكلمته ترن في أذني: ‹‹خايف أموت وما تحضرش أنت وأخوك جنازتي››.. التليفون يرن.. شقيقي يتصل: ‹‹أنا جاي في الطريق.. قول لجدي رفاعي بيسلم عليك››.. لم أستطع الرد.. وأغلقت الهاتف.. ومع نهاية اليوم كانت جنازة مهيبة للرجل الذي لم يستطع الموت أن يُغيب ابتسامته.. ولم يهزمه التعب.. ولم تغب ذاكرته للحظة واحدة.

جدي العزيز.. موتك حرمنا دعواتك وابتسامتك.. ونصائحك وبساطتك.. وسؤالك الذي لم يتوقف حتى وأنت على فراش المرض.. أمثالك لا يرحلون، أجسادهم فقط هي التي تفارقنا.