راح نسب التراب

راح نسب التراب الشيخ محمد عبدالقادر

قصة للشيخ محمد عبدالقادر

نشأ في قبيلة عريقة من قبائل الصعيد.. قبيلة لا تدانيها قبيلة إلا قبيلة الأشراف، فقد قيل أنها المغرب، وقيل إنها من الجزيرة العربية حلت بمصر واستولت على أجود الأراضي واشتغلت بالزراعة في مساحات شاسعة تقدر بآلاف الأفدنة، فكان لديها من الخدم والحشم والسؤدد والجاه العريض، وبسطت نفوذها على قبائل أقل منها شأنا واتخذت منها الخدم والعبيد، هذه هي صورة البيئة التي نشأ فيها فكان المترف الذي لاهم له سوى التقلب في روضات النعيم، غير أن البيت الذي تربى فيه تميز عن سائر بيوت القبيلة بالنزعة الدينية فهم محافظون على كل ما أمر به الإسلام من صلاة وزكاة وحج وإنفاق يفوق الوصف، فكان لهم الحب من المجتمع.. تزوج ورزق من الذرية ثلاث بنات رباهن على التقوى والخصال الحميدة ومكارم الأخلاق.

كان مشغولا بهذه التربية المثالية وهو خالي البال عما سيكون في الغد القريب أو البعيد.. ومرت الأيام وكعهدها لمن لا يحسب تنكرها لمن تعرف ومن لا تعرف، فكبرت البنات الثلاث وصرن في سن الزواج، وهنا فتح بئر الأسئلة: لمن ياترى تكون الكبرى ولمن تكون الصغرى؟

ومر في خاطره قائمة الشباب.. يقرأها ويعيدها فلم يجد بينهم من يرتضيه لبناته المؤمنات القانتات وفوق رأسه قانون العائلة، ولن يسمح له بأن يزوج بناته خارج العائلة ولو كان من هو الزوج.

انتابته حالة من الغم وأصبح أسير الهواجس، إنهن بناته وقد صار اليوم لايملك من أمرهن شيئًا ولو أظهر اعترضه على قانون العائلة للقى مالا تحمد عقباه.. قل طعامه وانحصر تفكيره إلا في هذه الطامة، إنه يبكي في داخله ويخاف أن يفقد صموده أمام بناته العزيزات عليه ومن كل شئ في حياته.. إنه يصمت كثيرا.. يصلي كثيرا.. يتمنى لبناته شبابا مؤمنا متعلما من غير هذه القبيلة ولكن هيهات.. يناجي ربه يارب هل تكون أروى وأختيها في بيوت لاتعرف من الإسلام سوى البذخ والتفاخر بمتاع الدنيا وهو عندك قليل؟ يسجد طويلًا ويبكي في السحر كثيرا.

ذهب في صباح يوم لصديق عزيز عليه وبثه حزنه وما يجد.. فكر الصديق طويلا وقال: أليس لنا في الإسلام أسوة؟ وماهو الحل؟ الهجرة إلى أين؟ إلى الواحات، وأنا أعرف فيها من القبائل العربية ذات الأصول العريقة ولديها أبناء كأنهم أبناء الصحابة إسلاما وعزة وكرامة.

عرك جبهته بكفه وأخذ نفسًا طويلًا وقال: لقد فتحت علي بابا من الأمل ولكن إذا حدث فلا تحدث به وأنا سري عندك وأرجو ألا تحدث به ولو طالت الأيام. قال الصديق: هذا عهد بيني وبينك فاطمئن.

رجع إلى بيته بوجه غير الذي خرج به وظل يفكر في الهجرة كيف وإلى أي البلاد سيسلك أولا.. أعد العدة، سوى كثيرا من حساباته، وتجمع لديه الكثير من المال، لا يعرف بما ينوي فعله حتى بناته.

وقبل الفجر أيقظ بناته وكانت عند الباب سيارة سوداء أدخلهن فيها ومضت بسرعة وخرجوا من القرية، وهنا سألت كبراهن: إلى أين نحن ماضون؟ فقال: سنقوم برحلة جميلة في أماكن جميلة، ألا تحببن أن ترين الحياة والأحياء؟

طالت الرحلة حتى وصلت إلى مشارف الصحراء وفتح ستائر العربة ليرين الدنيا الواسعة.. تهللن وابتسمن.. فقال: هذه هي الدنيا وسترين كثيرا من جمالها غدًا.

وصلت العربة التي استأجرها خصيصا لهذه المهمة والتي تقاضت مبلغًا كبيرًا من المال.. وهناك قابله أحد مشايخ القبائل فسلم عليه وسأله عن مراده فأجابه بأنه ضيف فأنزله منزلا يليق به وقدم له من أصناف القرى كل ما تجود به نفوس الكرام.

اطمأن إلى هذا الجوار الكريم وسأل شيخ القبيلة عن الحرف التي يقوم بها سكان هذا الحي، فدله على الزراعة حيث الأراضي الواسعة والماء الغزير، ولما كان عبدالكريم خبيرا بالزراعة انخرط بها وحالفه النجاح، وتعرفت بناته ببنات الحي، ومرت السنون وتقدم لإحدى بناته ابن شيخ القبيلة الفتى الفارس التقى محمود، الذي أنهى تعليمه الجامعي بالقاهرة، فلم يتردد والدها وتمت الخطبة وأقيمت الأفراح البدوية الرائعة، وقبل عامين كانت الثانية والثالثة في بيوت كريمات معززات محررات من قيود تقتل الأرواح ولم يكن في نفوسهن إلا لوعة شوق باهت لم تصرفهن عما وجدن من حياة هي حياة كن يردنها.. أصبحن محبوبات لكل القبائل يتزاورن ويكرمن.. إنه أمل كان غائبا فهن اليوم فيه، لقد أصبح عبدالكريم وحيدا بعد زواج بناته.

وفي يوم دخلن عليه ومعهن فتاة ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة وقلن له: لقد زوجتنا فهل لك أن تتزوج، أعرض قليلًا ثم أجاب بالقبول وتمت الزيجة الرابعة. لقد رزق البنات البنين والبنات وبعد عام رزق بطفل جميل الطلعة، فقلن له: بماذا تسميه؟ فقال: أسميه محمدًا تيمنًا بصاحب الهجرة، ألستن مهاجرات معي؟ فقلن نعم ونعم الهجرة.

تأسست الأسرة الجديدة في ود وقد اتسع مجال عبد الكريم في الزراعة وفي زمن غير بعيد كان عنده من الخدم والحشم، وتأبى الدنيا إلا أن تسدل ستارها، لقد توفي عبدالكريم ودفن معه نسب التراب لأنه مرتبط بالأرض وبقي نسب التقوى لأنه موصول بالسماء.

الوسوم