تحت شعار “السلاح أولًا”.. دشنا تشهد سباق تسلح والطلقات الطائشة تحصد أرواح الأبرياء

كتب: مصطفى عدلي، محمد أسعد

يشكو مواطنون بمركز دشنا، شمالي قنا، وقراه، استمرار حالة الانفلات الأمني، وتزايدها خلال الآونة الأخيرة، تزامنًا مع حالة غير مسبوقة من “سباق التسلح” التي لا تفرق بين غني وفقير أو جاهل ومتعلم، فالجميع هنا أصبح يرفع شعار “السلاح أولًا”.

ورغم الحملات الأمنية المكثفة التي تشنها الأجهزة الأمنية، وضبط عدد لا بأس به من الأسلحة المختلفة، إلا أنها لم تفلح حتى في تقليل معدل حوادث اختطاف المواطنين بهدف طلب الفدية، أو سرقة السيارات والمركبات الصغيرة، فضلًا عن الاشتباكات بين الأهالي التي تخلف عددًا كبيرًا من القتلى والجرحى بشكل يومي.

“ولاد البلد” تفتح ملف سباق التسلح، الذي تتزامن معه حالة الانفلات الأمني، لمعرفة كيفية السيطرة عليه، ومن المسؤول عن هذه الحالة الأمنية المتردية، التي لم تشهدها دشنا منذ قيام ثورة 25 يناير؟

السلاح أولًا

تسود في الصعيد بصفة عامة ثقافة حمل السلاح واقتنائه كضرورة حياتية، إذ إنه ليس من الغريب هنا أن تجد عاملًا زراعيًا لا يزيد دخله اليومي عن جنيهات معدودة، وقد لا يكون لديه مصدر دخل من الأساس، يتباهى بسلاحه الآلي الذي يتجاوز ثمنه الـ15 ألف جنيه، بحسب الأهالي.

وبسبب هذا الإقبال الكبير من المواطنين على حمل الأسلحة للدفاع عن أنفسهم وأموالهم، كما يقولون، لا يجد تجار السلاح في الصعيد صعوبة في ترويج بضاعتهم القاتلة، إذ إن السلاح يعتبر في مقدمة أولويات المواطن الصعيدي، حتى لو اضطر لبيع أرضه أو ماشيته، فالسلاح بالنسبة لهم هو كل شيء، ولا يمكن العيش بدونه، حسبما يقول بعض الأهالي.

يقول حسين بجاتو، عضو لجنة المصالحات بدشنا، إن على الأمن شن حملات لضبط الأسلحة غير المرخصة بالقرى، وجمعها حفاظًا على أرواح الشباب والأطفال الصغار، لافتًا إلى أن هذه الظاهرة كثرت جدًا في مدينة دشنا، مطالبًا بتدخل الأمن فورًا لجمع الأسلحة من المنازل.

ويتابع سعيد محمود، مزارع، أنه لابد من التوازن عند تسليم الأسلحة بين العائلات، كما يجب أن تتفق كل العائلات على تسليم السلاح، وهو أمر صعب، لأن كل بيت الآن إن لم يكن لديه سلاح فإنه يبادر بشراء بندقية أو أكثر، كما يجب أن يتابع رجال الشرطة الأفراح التي أصبحت عند “الصعايدة” مرتبطة باستخدام السلاح بكثرة وضرب النار للتباهي، خاصة أنها أصبحت منافسة بين العائلات، والقوة فيها لمن يطلق أعيرة نارية أكثر في فرحه، فلابد أن يذهب رجال المباحث إلى أصحاب الفرح ويطلبون منهم السلاح الذي استخدم ليلة الزفاف، وينبغي على كل منا أن يبدأ بنفسه في تطبيق العادات الصحيحة.

ضحايا الأسلحة

وقبل أيام شيع المئات جثمان أحمد ضاحي، الذي لقي مصرعه متأثرًا بإصابته بطلق ناري، عن طريق الخطأ، أثناء مزاولة مهنته “النقاشة” بقرية العزب، حيث شهدت مراسم العزاء غضب الجميع من حوادث الثأر، التي لم تكتف بأخذ أرواح المتناحرين فيها، بل تعدت إلى حصد أرواح الأبرياء بطريق الخطأ، حيث كان الشاب مشهودًا له بدماثة الخلق، كما لقي حتفه صائمًا، الأمر الذي جعل الجميع في العزاء يطالب بتكثيف حملات جمع الأسلحة غير المرخصة وضبط الأشخاص المطلوبين أمنيًا.

يشير يوسف صديق، طالب في كلية الحقوق، إلى أن ظاهرة الانفلات الأمني في القرى انتشرت منذ حوالي شهرين، حيث زادت الطلقات النارية، التي تتسبب في وفاة كثير من الشباب، مطالبًا وزير الداخلية بتخصيص حملة تأتي من الوزارة لجمع الأسلحة وضبط الخارجين عن القانون، وإعادة الانضباط الأمني للقرى، حتى يتمكن الأهالي من الذهاب إلى عملهم والعمل باطمئنان.

ويضيف أحمد كامل الدقان، محام، لابد من أن يقوم رجاء الشرطة بزيادة مجهودهم للقضاء على تلك الأسلحة، غير المرخصة، التي أصبحت متداولة بالقرى، ولها تجار معروفون، مضيفا أنه لابد من إجراء تعديلات تشريعية جديدة تكفل عقوبات رادعة على حيازة سلاح بدون ترخيص، كما يجب إصدار تعليمات من النائب العام بعدم إخلاء سبيل المتهمين في تلك الجرائم وإحالتهم محبوسين للمحاكمة الجنائية، وسرعة البت في تلك القضايا حتي يكونوا عبرة لغيرهم.

ويستطرد للأسف شبابنا في القرى يدفع الثمن، بسب كثرة مشكلات تلك الأسلحة التي أصبحت في يد الأطفال بالقرى، ونجد ظاهرة غريبة وهي قيام الأطفال وصغار السن باستخدام تلك الأسلحة في أقل المشكلات، دون حساب لخطورتها، خاصة في الأفراح والمناسبات، حيث نجد أن إطلاق النار في القرى يعبر عن الابتهاج والفرح، ولكن فجأة ينقلب إلى عزاء بسبب إصابة أحد الأهالي بطلقة خاطئة قد تؤدي إلى وفاته في الحال.

عادات وتقاليد

ويعزو حجازي أحمد فخري، عمدة فاو بحري بدشنا، تواجد وانتشار السلاح في الصعيد إلى العادات والتقاليد بين الناس، وليس فقط لفكرة الثأر والدم، فليس كل الناس عليها ثأر، بحسب قوله، فهناك من يشتريه لمجرد حماية نفسه وتأمين ممتلكاته، لكن في الفترة الأخيرة، وفي ظل غياب الشرطة، زادت نسبة وأعداد السلاح في البلد وبين العائلات بصورة كبيرة، لدرجة أن الجميع أصبحوا مسلحين، فهناك بعض الناس قاموا ببيع أثاث بيوتهم مقابل شراء قطعة سلاح.

الترغيب والترهيب

ويقترح العمدة حجازي على الشرطة والحكومة عدم ممارسة الأسلوب القديم في جمع السلاح، فلابد أن يتوافر عنصر الترغيب، وليس الترهيب، لدى ضباط ورجال الأمن، لكي يبادر الناس بتسليم أسلحتهم، فاليوم أصبح ثمن أقل بندقية 15 ألف جنيهًا، لذلك أصبح من الصعب أن يفرط فيها الشخص بسهولة، لكن هناك أشياء إذا تم تنفيذها يسهل على الصعيدي بعدها تسليم سلاحه وعدم اقتنائه.

ويوضح أن من هذه الأشياء توفير الأمن، فإذا كان الشخص آمنا في بيته فلن يحتاج لسلاح وسيقوم بتسليمه، ثم بعد ذلك إعطاء هذا الرجل ثمن هذه البندقية التي دفع فيها دم قلبه، بحسب وصفه، إذ إنه قد يكون باع أعز ما يملك ليشتريها، لافتًا أيضًا إلى ضرورة التواجد الأمني وسرعة التدخل حتى يشعر الناس بأن الشرطة عادت وموجودة بجانبهم، وفي حالة تطبيق ما سبق سنجد أن تلك هي أفضل طريقة لجمع السلاح في الصعيد، مشيرا أيضًا إلى دور الثأر في إصرار الأهالي على حيازة الأسلحة.

ويطالب أحمد نعيم، سائق، الأجهزة الأمنية بوضع عقوبات رادعة على من يثبت أنه يقتني سلاحًا ناريًا أيا كانت حجته، مضيفا “من أمن العقوبة أساء الأدب”، وهذا المثل ينطبق تمامًا على أهالي دشنا والصعيد، بسبب تمسكهم بالأسلحة التي تظهر وقت الاشتباكات المسلحة التي أصبحت لا تخلو من قرية في دشنا وتتسبب في “خراب بيوت العشرات”، مشيرا إلى أن الحل يكمن في تشديد القبضة الأمنية، ولنا في “الشبح” مأمور دشنا السابق في التسعينيات خير دليل.

ردود أمنية

فيما يرفض محمد السيد، مسؤول أمني بمديرية أمن قنا، الاتهامات التي توجه لهم بالتقصير في جمع الأسلحة أو ضبط الجناة، مشيرًا إلى أن الأجهزة الشرطية بمديرية أمن قنا ودشنا، على وجه الخصوص، يقومون بحملات أمنية شبه يومية، يتم خلالها ضبط المتهمين ومن عليهم أحكام جنائية، إضافة إلى المسجلين خطر، وجمع الأسلحة غير المرخصة.

ويشير السيد إلى أن كل هذه الأمور لا تتم بالبساطة التي يتوقعها المواطن العادي، وإنما أفراد الأمن يعرضون حياتهم للخطر كل يوم، ويقدمون “كفنهم” في سبيل إعادة الأمن والأمان للشارع الدشناوي، مضيفًا أن الخصومات الثأرية والخلافات تجعل من الصعب أن تقوم الأجهزة الأمنية بجمع الأسلحة من المواطنين بهذه السرعة، والجميع يعلم عادات وتقاليد المواطن الصعيدي الذي يرفض التخلي عن سلاحه بسهولة.

ويرى مصدر أمني، فضل عدم ذكر اسمه، أن ثورة يناير خلفت العديد من المشكلات، التي كان من أبرزها كسر هيبة الشرطة، التي انعكست بالسلب على أدائهم بالشارع، معترفًا بأن هناك العديد من الأمثلة الفاسدة بجهاز الشرطة، إلا أنه أكد على أن الغالبية يراعون ضميرهم في العمل، متهمًا بعض الأهالي بإثارة الفوضى، ورفض إلقاء الحمل على جهاز الشرطة الذي تحمل مالا يتحمله أي جهاز أمني في أي دولة بالعالم.

الوسوم