تباين الآراء حول الخطبة المكتوبة| الأوقاف تؤيد.. ومواطنون: تفصل الإمام عن المصلين

تباين الآراء حول الخطبة المكتوبة| الأوقاف تؤيد.. ومواطنون: تفصل الإمام عن المصلين
كتب -

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أثار قرار وزارة الأوقاف الأخير بتحويل خطبة الجمعة الموحدة إلى خطبة مكتوبة، من خلال تشكيل لجنة علمية تقوم بإعداد الخطب وإرسالها للخطباء لقراءتها من على المنبر، ردود أفعال متباينة بين الخطباء والمثقفين في قنا، ما بين مؤيدين؛ اعتبروها أولى خطوات تجديد الخطاب الديني وضبط إيقاعه وتخليصه من بعض الشوائب التي علقت به، مثل استخدام الخطباء أحيانا لروايات مكذوبة أو التعرض للفتوى من فوق المنبر، وما بين معارضين اعتبروا الخطبة المكتوبة تحديدا للخطاب الديني وتحويله إلى مجرد بيان يقرؤه الخطيب، مشيرين إلى أن الخطوة تؤدي إلى إضعاف ثقافة الخطيب، بسبب توقفه عن المطالعة والدراسة.
وفي الوقت الذي شدد فيه وزير الأوقاف على ضرورة الالتزام بالخطبة المكتوبة، وقام باعتلاء المنبر في خطبة الجمعة قبل الماضي بمسجد عمرو بن العاص ممسكا بورقة، أعلن الأزهر تمسكه بحقه الدستوري الذي جعل منه المرجعية الوحيدة لشؤون الدعوة بمصر، ورفض الخطبة المكتوبة رفضا قاطعا، عبر بيان أصدرته هيئة كبار العلماء منذ أيام، لتسارع الأوقاف عبر بوابتها الإلكترونية بمنع قيادات الوزارة من التحدث للإعلام حول الخطبة المكتوبة إلا بعد تصريح كتابي من رئيس القطاع الديني بالوزارة، وتعلن أن الخطبة المكتوبة اختيارية وليست ملزمة.

“ولاد البلد” تبحث بين وجهتي نظر الأزهر والأوقاف بشأن الخطبة المكتوبة، فضلا عن رصد رأي متخصصين ومواطنين حول الفكرة.

تجديد الخطاب الديني
يشير الشيخ على عبادي، مدير أوقاف دشنا، إلى أن القرار الأخير بتحويل الخطبة إلى خطبة مكتوبة قرار صائب ويعتبر أولى خطوات تجديد الخطاب الديني، موضحا أن معظم الخطباء لا يستطيعون ضبط إيقاع الخطبة، وغالبا ما يخرجون عن الموضوع الأساسي لها مما يؤدي إلى تشتت المستمع وإصابته بالملل بسبب الإسهاب في الحديث المرسل غير محدد الأركان، متابعا بأن الخطبة سيتم إعدادها بواسطة لجنة علمية دينية تركز في موضوعات الخطب على ما يشغل الناس ويفيدهم في أمور دينهم ودنياهم وهو ما يتفق مع التعريف الشرعي لخطبة الجمعة بأنها وعظ الناس في أمور دينهم ودنياهم، لافتا إلى أن الخطبة المكتوبة ليست بدعة فهي معمول بها في أغلب الدول العربية، ومنها المملكة العربية السعودية والجميع يشاهد إمام الحرم وهو يخطب من ورقة مكتوبة.

ويرى الشيخ أحمد الطراوي، مفتش بالأوقاف أن الخطبة المكتوبة تساعد الإمام على التفرغ للدراسة والبحث في الكتب، مشيرا إلى أن أغلب الخطباء يقضون أياما في إعداد الخطبة من خلال مراجعة الكتب، ولكن مع وجود الخطبة المكتوبة لن يضيع وقت الإمام في إعداد الخطب وسيتفرغ للقراءة والبحث وإعطاء الدروس الدينية والمشاركة المجتمعية وأوضح الطراوي أن من أهم مميزات الخطبة المكتوبة أنها تحدد وقت الخطبة بما لا يزيد عن 20 دقيقة وتضمن بعد الإمام عن استخدام الإسرائيليات في خطبته.

ويلمح الشيخ محمد إسماعيل، إمام وخطيب، إلى أن الخطبة المكتوبة الموحدة توحد الخطاب الديني المقدم لعموم المسلمين في جمهورية مصر العربية، مشيرا إلى احتياج البلاد في الوقت الراهن إلى خطاب موحد يجمع الأمة ولا يفرقها، مشيرا إلى أن وزارة الأوقاف سعت منذ العام الماضي إلى توحيد الخطبة من خلال تحديد الموضوعات ولكن التطبيق العملي للخطبة الموحدة اظهر عدم التزام من بعض الخطباء وخروجهم عن الموضوع المحدد لذا اتجهت وزارة الأوقاف إلى إلزام الخطيب بنص مكتوب لضمان عدم وجود تضارب بين الخطب في مساجد مصر.

“تحديد لا تجديد”
ويعترض عامر الطيب، مستشار الطريقة الرفاعية بمصر، على الخطبة المكتوبة، معتبرا إياها تحديدا وليس تجديدا للخطاب الديني، وتقلل من قيمة الإمام في عيون المستمعين، لافتا إلى أن الخطبة الأصل فيها النصح والإرشاد بما ينفع المسلون في أمور دينهم ودنياهم، وما يصلح في قنا لا يصلح في الإسكندرية، ومن الثابت شرعا أن يتحدث الإمام فيما يهم المسلمين، لكن أن تكون الخطبة محددة سلفا في موضوع متعلق مثلا بالنظافة في مجتمع يعاني من الصراعات الثأرية فتفقد الخطبة شرطا من شروطها في كونها  تتحدث في موضوع بعيد عن اهتمامات المستمع، متابعا بأن الخطيب يقوم مقاما ارتقاه رسول الله ولا يجوز أن يحدد لرسول الله ما يقول في الخطبة، مبديا دهشته من القرار بقوله “ما الحاجة  للخطيب إذا كانت الخطبة معدة سلفا ومكتوبة فيمكن تعيين خريجي إعلام لقرائتها”.

ويتفق معه بهاء الدين حسن شاعر وأديب بأن الخطبة المكتوبة لا تقدم جديدا للخطاب الديني بل تحجمه وتحجم الإمام وتضعف من مستواه الثقافي والمعرفي، موضحا أن الإمام لن يسعى إلى القراءة أو الاطلاع وسيكتفي بالنص المكتوب ليتحول الإمام إلى مجرد موظف حكومي ويفتقد دوره الدعوي وتأثيره الروحي لدى عموم المسلمين، ملمحا إلى أنه تابع على مدار الأيام الماضية الخطباء وهم يقومون بالقراءة من الورقة ولاحظ انصراف المستمعين وشرودهم عن الإمام وانصرافهم عن موضوع الخطبة، مطالبا بإلغاء الخطبة المكتوبة والعودة مرة أخرى للخطبة المرتجلة.
ويوضح أشرف سليمان، ناقد وباحث في شؤون اللغة العربية، أن الخطبة المزمع إقراراها من قبل الأوقاف هي خطبة مقروءة وليست مكتوبة، لأنها أعدت بواسطة آخرين ولم تعد بواسطة الأمام، مشيرا إلى أنه يجوز للإمام أن يعد خطبته في ورقه ويقوم بقراءتها فلا عيب في هذا، وإن كان من الأفضل أن يرتجلها، لكن أن تقوم لجنة بإعداد خطب معينة وبنص ملزم فهذا ينافي الغرض من الخطبة لأن الأصل فيها الارتجال، مطالبا وزارة الأوقاف بتحويل الخطب المكتوبة إلى كتيبات تثقيفية توزع على الائمة بدلا من إلزامهم بنصوص مكتوبة، مشيرا إلى إن هذا النظام كان متبعا في الستينيات من خلال سلسلة كتب تصدر عن وزارة الأوقاف تحتوي على أبحاث فقهية ودعوية، وكانت توزع على مديريات الأوقاف بالمحافظات ليسترشد بها الإمام في خطبه.

تجميد الخطاب

ويثني خالد بغدادي محام بالنقض على البيان الذي أصدره الأزهر برفض الخطبة المكتوبة واعتبارها تجميدا للخطاب الديني، موضحا أن الأزهر هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن شؤون الدعوة بنص الدستور، أما دور الأوقاف فهو دور إداري فقط وعلى الأوقاف أن تعيد النظر في مشروعية الخطبة المكتوبة بعد بيان الأزهر برفضها.

ويتابع جمعة عوض، معلم فيزياء، بقوله أن الخطبة المكتوبة تسمح للجماعات المتطرفة بالعودة مرة أخرى للمشهد لبث سمومها من خلال الدروس السرية، أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، لافتا إلى أن حالة الرفض الكبير للخطبة المكتوبة ستكرس لدى أغلب المواطنين، خصوصا الشباب بأن الخطاب الديني موجه ومسيس مما يعطي انطباعا بعدم جدواه، مطالبا بأن تتم متابعة الملفات الملحة في كل محافظة من خلال لجنة تحت إشراف الأزهر والأوقاف وبناء على ذلك يتم وضع الخطب بما يتناسب مع كل مكان.

ويسخر أحد مفتشي أوقاف دشنا، رافضا ذكر اسمه، من فكرة الخطبة المكتوبة، قائلا أنصح الوزارة بالاستغناء عن الخطباء وتشغيل جهز mp3 أو شاشات عرض توضع فوق المنبر، ملمحا إلى رفضه القاطع للخطبة المكتوبة حتى لو كانت قوية لأنها -على حد قوله- تقطع الصلة بين الإمام والمستمع، كما أنها لا تراعي لغة الخطبة فأحيانا يضطر الإمام في بعض الأماكن للتحدث بالعامية وضرب الأمثال لتوصيل المعلومة للمستمع، أما في حالة الخطبة المكتوبة يكون مستوى اللغة غالبا أعلى من مستوى المستمع.

 

الوسوم