العمالة المبكرة تقصم ظهور أطفال الصعيد.. وخبراء: الفقر وغياب الوعي السبب

العمالة المبكرة تقصم ظهور أطفال الصعيد.. وخبراء: الفقر وغياب الوعي السبب

قنا – مصطفي عدلي، محمد فكري:

دقات الساعة تعلن السادسة صباحا، الشتاء القارس، والرياح الشمالية الشرقية التي حذرت منها نشرة الأرصاد الجوية تدق الأبواب الخشبية القديمة التي ما زالت تحمل لواء حراسة غالبية المنازل في قرى دشنا التي تقع شمالي محافظة قنا، معلنة بدء يوم جديد للمدينة الزراعية التي تزرع حوالي 20 ألف فدان، تستحوذ بهم علي نصيب الأسد بالمحافظة من زراعة المحصول الاستراتيجي قصب السكر.

تشرق عيناه مستقبلة يومه الجديد في همة ونشاط، يلقي نظرة حسرة على حقيبة المدرسة وكتب  الصف الخامس الابتدائي، التي مازالت تقبع أسفل منضدة قديمة منذ عدة سنوات، يلقي نظرة خاطفة على ملابس المدرسة المعلقة على مسمار دق خلف باب الغرفة، يفرك عينيه، منفضا عنها الكسل الطفولي، ليرتدي “الكالسون”، والجلابية البلدي، والطاقية الشبيكة، وكاوتش “باتا” زي الـ 10 جنيهات، معلقا القدوم الذي يستخدمه في كسر القصب علي كتفه، خارجا من منزله منتظرا مع أقرانه مقطورة الجرار الزراعي التي ستقلهم إلى زراعات القصب لبدء يوم جديد، مرددا معهم “استعنا على الشقا بالله”.

شيال الحمول

تحميل القصب

“التعليم مبقاش يجيب همه يا أستاذ”، قالها محمود السيد، ابن العشرة أعوام، وهو يقفز داخل مقطورة جرار قصب السكر، ملتفحا بشاله من تيار الهواء البارد، متسائلاً، “اللي اتعلموا أخدوا إيه؟”، مرجعا السبب في انصرافه عن التعليم إلى الأحوال المعيشية الصعبة، ومحاولته مساعدة والده الذي يعمل باليومية أيضاً.

يقول سمير أسعد، طفل في الثانية عشرة من عمره، إنه يعمل باليومية في زراعات قصب السكر والقمح منذ ما يقرب من سنتين، وأن عمله في الزراعات لم يمنعه من استكمال دراسته، موضحا أن يوميته في كسر القصب تصل إلى 15 جنيها ينفق بها على نفسه ويساعد أسرته.

يعدد مروان بكري، طفل دون الخامسة عشر من عمره، الأدوات التي يستخدمها في أثناء عمله بكسر القصب، مشيرا إلى القدوم الحديدي، الذي قال إنه انتهى بالأمس من سنة لدى الحداد حتى يتسنى له كسر أعواد القصب بسهولة ويسر، إضافة إلى الشال الذي يلثم به وجهه ليحميه من أوراق القصب التي قال إنها تشبه الموس، مشيرا إلى العلامات التي بيده والتي قال إنها آثار جروح بسبب عمله في كسر القصب.

تسرب

مدارس دشنا (نسخ)

يري فكري سليمان، مدير مدرسة عزبة الألفي الابتدائية بدشنا، أن سبب تسرب الطلاب من التعليم يرجع إلي عدم توعية أولياء الأمور لأبنائهم بأهمية التعليم ودوره الحيوي في نهضة وبناء المجتمع.

ويشير سليمان، إلى أن غالبية من يعملون في الزراعات وكسر القصب تحديدا هم من الأطفال دون سن الخامسة عشر، مرجعا ذلك إلى انصراف معظم الشباب للعمل في دول الخليج، ولجوء المزارعين إلى الأطفال الذين يتقاضون يوميات أقل نسبيا من الشاب البالغ.

ويلفت محمود محمد، مدرس، إلى أن انتشار فكرة المال قبل التعليم، أدت إلى انتشار الظاهرة وتفشيها في المجتمع الدشناوي، معقبا: “انتشار البطالة بين الشباب الجامعي أثرت بالسلب على الشباب الذي ترسخ في عقله أن الشهادات الجامعية أصبحت لا تصلح سوى لأن تعلق على حوائط المنازل، وأن “الصنايعية” هم من تفتح لهم الأبواب المغلقة ويستطيعون بناء مستقبلهم من خلال حرفتهم، أما حاملو الشهادات فلا عزاء ولا وظيفة لهم”.

ظاهرة سلبية

قصب السكر

ويقول محمود محمد، مدرس، إن ظاهرة تشغيل الأطفال في موسم حصاد القصب أثر بشكل سلبي على مستوى الطلاب التعليمي وأدى إلى زيادة أعداد المتسربين من المدرسة ، مطالبا الدولة بضرورة منع هذه الظاهرة التي تؤثر على النشء علميا وبدنيا.

وأرجع إسلام أحمد، عامل، السبب الرئيسي في عمالة الأطفال وانصرافهم عن التعليم إلى سوء الأحوال المعيشية، مشيرا إلى أن الطفل يعمل بيومية 30 جنيها ويبيع الأوراق التي تنتج من تنظيف عيدان القصب “شيلة القلوح ” بسعر 10 جنيهات، ما يجعله يحصل على 40 جنيها في اليوم الواحد، مضيفا أن الأطفال تقع في النهاية ضحية سوء أحوالهم المعيشية، وعدم توفر دخل ثابت لرب الأسرة.

دعم

مزارع القصب

يعتقد بركات الضمراني،  مدير مركز حماية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان بالصعيد، أن عمالة الأطفال أصبحت منتشرة خاصة في صعيد مصر، ما يمثل انتهاكا حقيقيا لحقوق الطفل، مرجعا انتشار هذه الظاهرة لعدة عوامل منها الأحوال المعيشية والاقتصادية المتدنية لمئات الأسر، وغياب التوعية بخطورة هذه الظاهرة على الأطفال، إضافة إلى غياب الدور الرقابي والتفتيشي الدوري، كل هذه الأمور أدت إلى زيادة عمالة الأطفال، وأن هناك العديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية تبذل مجهودات كبيرة للحد من هذه الظاهرة.

وأشار الضمراني إلى أن المجتمع يعول على مؤسسات المجتمع المدني من خلال متطوعيها، مطالبا بسن عقوبات صارمة ورادعة على كل شخص يقوم بتشغيل الأطفال تحت أي بند أو مسمى، ومطالبا الحكومة والجمعيات الأهلية أن يقوموا برعاية الأسر الأكثر احتياجا، حتى لا يضطروا إلى إخراج أبنائهم ممن هم في سن الطفولة للعمل.

طفولة مهدرة

تشوين القصب

ويرى الدكتور محمد عبد اللطيف، الباحث في علم النفس الإكلينيكي‏، أن العمل بالزراعة في الصعيد عامة ليس بالأمر الخطأ خاصة أن بلادنا تشتهر بالزراعة، ولكن العيب والخطأ عدم مراعاة القدرة البدنية والعقلية للطفل ومدى قدرته على تحمل هذه الأعمال الشاقة، مشددا على ضرورة تسخير هذه الطاقة لخدمة الطالب في حياته الدراسية.

وينصح عبد اللطيف، الآباء أن يتركوا أبنائهم ليعيشوا مراحلهم العمرية بمتطلباتها النفسية والمهنية والطبيعية دون استعجال، حتى لا نهدر طفولتهم بانصرافهم لأعمال شاقة في سن مبكرة، وخاصة في القرى.

ويرجع الباحث في علم النفس، انتشار هذه الظاهرة، إلى ضعف التنشئة الاجتماعية، وقلة الدخل الأسري من ناحية، ورغبة بعض الأطفال في الحصول على وسائل الكسب السريع من ناحية أخرى، لافتا أن هناك مفاهيم خاطئة لدى الآباء ينبغي تصحيحها وهي قيامهم بالدفع بأبنائهم للعمل حتى يصبحوا رجالا يعتمد عليهم.

الوسوم