بدأ خريف القرن السابع عشر يتدفق معه السلاح للصعيد، وكانت قرية بأكملها تمتلك السلاح في مواجهه قرية أخرى، ثم تدرج الأمر إلى أن أصبحت عائلات تمتلك السلاح في مواجهة عائلات أخرى، نظرا لوجود صناعة حرفية بدائية قادرة على تصنيع السلاح البسيط، ثم تطور الأمر إلى ما نحن فيه الآن وهو السلاح لكل فرد في العائلة.

الصعيد باع عقله ورجاله للثأر، وباع أمنه وحريته وأمواله للسلاح، ويجادل بعد هذا التنازل أن يعيش كإنسان، فجميع الخدمات معطلة بل شبه منعدمة في بعض قرى الصعيد، والكل يتربص وينتظر الآخر لقتله متخذا سلاحه رفيقه لا يتركه إلا أثناء النوم، وأجزم أن أكثر من يتكلم عن الصعيد لا يعرف طبيعته ولا يعلم حقيقته إلا من يحيا فيه، فالصعيد مكدس بكمية مهولة من الأسلحة متعددة الأنواع والقدرة التدميرية، وهنا تساؤل منطقي يطرح نفسه، كيف دخلت هذه الأسلحة إلى الصعيد؟

ومن هنا يتولد سؤال آخر، إن كانت هذه الأسلحة دخلت في غفلة من قوات الأمن، من أين تأتى الذخائر لها؟ العائلات لديها ذخائر متعددة الأنواع، هذه الذخائر تحصد أرواح الأبرياء على الطريق الزراعي، بل وتصل لقتل من يستقل القطار، والرصاصات تضرب في الهواء أشبه بمعركة حربية دائمة لا هوادة، على الرغم من ارتفاع أسعار الذخائر حيث وصل سعر الطلقة الصيني إلى ١٣جنيه، والطلقة العبور الشهيرة بالكاكي إلى ١٦جنيه، والإسرائيلي ١٤جنيه، والروسي ٢٣جنيه، وهذه الأسعار معروفة لدى الجميع بالصعيد، والإطلاق اليومي في إحدى قرى الصعيد يصل إلى ٢٥٠ألف جنيه مصري، قابله للزيادة. هذه الأموال كفيلة بأن تبنى مدارس ومستشفيات وحدائق عامة.

الذين يحاربون كل شيء جميل بمصر لأن دينهم المال يدفعهم إلى استمرار وضع الصعيد وقرانا بهذه الطريقة لكى تصبح سوق خصبة لتجارة السلاح والمخدرات، فكل البشر تعشق الفنون والثقافة إلا أن الجهل وتجار السلاح يؤسسون ثقافة أخذ الثأر والقتل وتغليف عقول أبناء الصعيد بالجهل لأنهم المستفيد الأول من قتل بعضنا البعض، وعندما تسمع إطلاق نيران في قرى الصعيد، فأعلم أن شخصا حرض وتاجرا باع ومسؤول متقاعس.

تجارة السلاح الحديثة تقوم على أن ترمي جنيه بين أخوة جوعى ليتقاتلوا عليه وتربح ألف جنيه في تسليحهم وترث بيتهم بعد موتهم، عفوا بعد قتلهم أنفسهم، أي دمر نفسك بنفسك عن طريق إذكاء روح العصبية القبلية والفتن والجهل.

أخطر أنواع التعليم هو منهج خفي يتم تلقينه داخل عائلات الصعيد، حيث تقدم المعرفة بطريقه غير قابلة للنقد والشك، وبالتالي خلقت أجيال بليدة فكريا ومستلبة عقليا في بلدنا، ولا بأس من القتل والفوضى وملاحقة نوايا الآخرين، ويغضبون ممن يصرخ في وجههم ويطالبهم بحقن الدماء وادخار أموالهم لحياتهم بدلا من قبورهم، وأن بعض السجون لا قضبان لها، بل هي معتقل للعقل، تمنع حريتك ومعها حياتك، ويقف الجهل حارسا لها، أما العادات والتقاليد لدى نصف الصعيد تسلب النصف الآخر، والدليل على ذلك أن تحطيم الأصنام عبر التاريخ لم يكن تحطيما لوجودها ولكن لنوعيتها، فسرعان ما بنينا غيرها أكبر وأشنع، وسميناها عادات وتقاليد، ولكى نتخلص من سيطرة السلاح على عقول أبناء قرى الصعيد، علينا محاربة الثأر بالتنوير، والتثقيف بالقراءة، والفن بالمسرح، وبكل ما يوسع أفق الإنسان ويجعل في روحه شغف بالسمو لا الدمار، حاربوا الجهل والعادات والتقاليد البالية التي تدعو للموت، افتحوا النوافذ، جددوا الفكر الذى ركد، علموا شبابكم أن الذى يخجل من ثقافه المحبة والتسامح يسقط فى مدارات القتل والعيب والعار والكبائر، يسقط في ثقافه الكراهية والقتل واقصاء الآخر، ويجب طرح مبادرة تسليم الأسلحة بمراكز الشرطة مع توفير دوريات أمنيه داخل القرى، ورفض سياسة التصالح القائمة على ما يسمى “قعدة العرب”، وجعل المصالحة داخل المحاكم، بالتالي يرتفع شأن القانون والدولة المدنية.

 كاتب المقال.. إسلام عزاز – خبير تربوي 

دشنا – قنا