صغيراً كنت في قريتي، راعيًا أغنام جدتي، أتذكر أول أيام ذهابي للرعي، نصحتني جدتي بأن أكون قائدا لأول مرة في حياتي لقطيع، وأحضرت لي عصا وكيس قماش وكسرة خبز مبللة وقليل من البصل مزود بالجبن القديم “مش” وزمزمية مياه متشحة بالخيش، وقالت يا صغيري، القطيع لا يعرف الخير من الشر لذا سموهم البهائم، أغلب أفراد القطيع لا يعيشون هم فقط موجودون.

كم هي أليمة حياة القطيع؟ وكم هو سهل موتهم؟ كل الخراف ذائقة الموت، لذا القليل من الخراف يذق طعم الحياة فأسباب الوفاة في القطيع كثيرة من بينها وجع الحياة يا صغيري، لا تكن راعيا نائما يسمح بحدوث الشر، ولا يتدخل لحماية كبش صغير من خروف كبير جائر، هذا هو الفرق بينك وبين الراعي النائم، فلا تحاسبهم على شر أنت تركتهم يصنعونه، لذا عليك أن تدع حدا للتناطح بالقطيع وإلا سوف يدع التناطح حدا للقطيع، لا تمنيهم بطعام بالحظيرة لأن أرض رعيك سوف يكون جحيم، إن الذي يسقط عقله في القطيع ينهار إلى الأبد، فعدم المعرفة في القطيع سيء، وعدم الرغبة في المعرفة أسوأ.

أفراد القطيع سينامون يوما تحت الأرض، هم الآن لم يدعو أحدهم الآخر ينام بسلام فوقهم، سيساقون إلى المجزرة عندما تبدأ الحاجة إليهم، لذلك لا توجد لديهم دوافع تستحق الموت لأجلها، وأيضا أسباب يتناطحوا من أجلها، فمن الصعب أن تقنع الخراف بأن طعم التفاحة ألذ من العشب، نظرت في عيني وقالت: يا صغيري إذا تناطح أربعة خراف في القطيع، يتناطح القطيع طول العمر ويصبح فرق وطوائف كلاهم ينبذ الآخر، فكن حريصا، احتفظ بمجموعة من الغلال في جيبك حتى تستطيع جذب الخراف الضالة بها، فإنها تأتي خلفك مهرولة، فغرائزهم حيوانية، ولا يهم في القطيع سوى الطعام والجنس، لذلك لا توجد عذرية لأجسادهم لأن عقولهم عاهرة فمن الصعب أن تقنع الخروف بأنه خروف الحب، ليس ضروري عندهم، فكل تزاوج ليس من الضروري أن يبدأ بحب، فهم حينما يمارسون الحب يكون ثالثهم الشيطان، وعندما يمارسون التناطح يظنون أن ثالثهم الله.

يا صغيري هناك أشياء قد لا تتمكن أنت من رؤيتها في القطيع لكن لا يعني أنني أكذب، ولا يعني كذلك أنك أعمى، ستتأكد أن الشيطان غير مسئول عن الجرائم في قطيعك، هم أنفسهم شياطين وملائكة أيضا اذا أدركوا مغذى الحياة، أما إذا سيطرت عليهم النفس البهائمية هم شياطين، لن يتركك القطيع أبدا، لذلك من الأولى أن تتركهم ينشغلون بك وتسير في طريقك إلى الأمام كأنك الوحيد في هذا العالم في القطيع تنتهى الخطوط السوداء عندما ننتهى من الخطوط الحمراء فصفة الخروف الذى ينقصه النضوج أن يود الموت من أجل الطعام، بينما صفة الخروف الناضج أن يود العيش ويأكل طعاما.

يا صغيري هناك ثلاثة أنواع من العقول في القطيع، أولها يدرك الأمور دون عون أو مساعدة، وثانيها يدركها بمساعدة الآخرين وارشادهم، وثالثها لا يدركها لا بالمساعدة ولا بدونها، والنوع الأول ممتاز، أما النوع الثاني جيد، أما النوع الثالث فلا جدوى منه يا صغيري، لو علموك في المدرسة كيف تتعامل مع الخراف كان أفضل من جملة “اعرب ما تحته خط”، تخلص من القطيع، تخلص من سيطرة الكاهن، غربل نفسك كلما تقدم بك العمر، تحرر، إصبح إنسان… حاضر يا جدتي!!