العقل الشعبوي يهوى الاستماع للخرافات والأساطير، ثم يحولها لمعتقدات ينسبها لله، وحين يوجهه العقل العلمي المؤمن يُتهم بالعداء للدين، وهنا تكمن كارثة الكوارث، فقول الحقيقة وإزعاج الناس أفضل من الكذب لإرضاء الناس، ومن يجهل الفقه الديني سيكون مضطرا لأن يصبح عبدا لمنابر الدجل ورجاله، ومن لا يقرأ معلومات طبية يصبح عبدا وضحية للمرض، ويخسر الكثير من النقود على صحته عند المعالج، ومن لا ينمي ذاته معرفيا يصبح عرضة للاكتئاب دون أن يدرك الأسباب.

وقد صار المعالج مهنة تدر على صاحبها الأموال والهدايا وتمنحه مركزا اجتماعيا لا بأس به، وأخذ يحترف مهنة المعالج من فشل في الحصول على مهنة أخرى فهي مهنة ما لا مهنة له، إنها مهنة سهلة على أي حال، فهي لا تحتاج إلا حفظ بعض الآيات والأحاديث ثم ارتداء الزي المناسب ويستحسن أن يرتدي جلباب وطاقية صيني، وأن يكون ذو لحية كبيرة كثة، ويضع مسكا صناعيا ذو رائحة فجة،

ثم يبيع الوهم للناس ويجعل علاجه قدر الله، ويخرج الناس وهم واثقون بأن الشفاء قد تم، لذا يغدقون على هذا المعالج بالنذور، ما يجعله مترفا سعيدا.

يستطيع أي إنسان أن يقرأ المعوذتين، وهي آيات قصار يحفظها الصغير والكبير وينتهي الأمر، لكن هذا المعالج  يتاجر بكلمات الله، ومن هنا يبرز تساؤلا مهما، لماذا هذه المهنة الرخيصة التي تملأ إعلاناتها القنوات الفضائية وتتصدر لافتاتها النواصي المزدحمة وجدت رواجا في بلاد العرب؟ الإجابة ببساطة لأن الأمة العربية حاليا تعيش مرحلة التفكير الخرافي، وما يتطلبه من أنماط التخلف، فعلا هناك فارق بين أمة تأكل لتعيش وتفكر وتبدع، وبين أمه تعيش لتأكل وتنام، أمة تعيش على إنتاج الأمم الأخرى.. هذه الأمة معاقة فكريا، وأصبحت مصيبتها في دينها نتيجة لانتشار لصوص الله، فكل مكتسب بالله وبائع للخرافة هو أحدهم يسرق الله بالخرافة نتيجة التحنط العقلي.

هذه المتاجرة التي أساءت للدين؛ علينا أولا أن نعلي مبدأ أن القرآن كتاب هداية وليس كتاب طب، وأن معجزة القرآن كانت في الحث الدائم على التفكير لا التكفير والدجل، فالقرآن يخبر المؤمن بأنه لا قداسة إلا للعقل، هذه الجوهرة التي عرفنا بها الله، وعلى الدولة أن تتعامل مع المعالجين كفيروسات تنشر الأمراض وتغلظ العقوبات ضدهم، أيضا مهمة علماء الدين هي التوعية والإرشاد، وأن نعلم أولادنا أن العيش في سبيل الله ومحاربة الخرافة أصعب من الموت في سبيل الله، أيضا فالأمة التي تقرأ وتنجب العلماء هي التي تقود الجنس البشري في المستقبل، فالإسلام عزلة عن الحرام لا عن الحياة.. لا تؤجر عقلك لأحد.. رسالة الإسلام لأولي الألباب ولقوم يعقلون وليست ألغاز وكهنوتية لا تعرفها إلا طائفة محددة، وليس الذين يعقلون هم جماعة معينة والبقية لا تعقل وليعلم المعالجين بالدين سوف يأتي يوم وتثور الناس عليهم ولكن ما أخشها أن يكون الدين ضحية.

كاتب المقال خبير تربوي