بعد التجارب الكثيرة ومنها المريرة، تبين بحق أن تغير الطبيعة البشرية وأخص بالذكر منها الفطرية أمر مستحيل، إذ مجرد ما خف الضغط تعود الأمور إلى طبيعتها الأساسية، انتماءات البشر لا تتغير إلا كظاهرة صوتية.

ألاف الأهالي بمركز دشنا ألقوا بالأسلحة النارية وتوقفوا عن إطلاق النار العشوائي نتيجة للحملات الأمنية المكثفة منذ فتره وجيزة، والآن انقلبوا فورًا، وجاءونا بالبنادق وعاد المشهد الأفغاني الفريد، مسلح يقود دراجة نارية معلقًا ذخيرته على كتفيه، تكفي لإبادة العشرات، 60% من جرائم القتل التي يستخدم فيها الأسلحة النارية في جنوب الصعيد يكون منفذيها يتبعون لمركز دشنا، وبناء على ذلك أصبح هذا المركز يؤرق الصعيد بأكمله، ولذا يحتاج إلى دراسة عميقة لطبيعة قاطني هذا المركز وصياغة حلول جذرية للمشكلات الموجودة فيه.

تقوم المجتمعات على أساس أقوى وأمتن إذا تعاملت بشفافية في الشأن الأمني وإعطاء المزيد من الصلاحيات لقصور الثقافة، فتعزيز قوة الدولة لا ينقص من متانتها بل العكس الحملات الأمنية والإمساك بالقرى عن طريق القبضة الأمنية فقط دون تدخل الوعي الثقافي، يقوى النزعة الإجرامية ويضعف قوه وزارة الداخلية، ويجعلها مارد على قدمين من لهيب، ويعزز إثارة النعرات والمظلومية، لقد اعتدنا منذ عقود على ترديد ببغائي أن حل أزمة السلاح في دشنا تحتاج تدخل أمني، والدليل أصبح الأهالي بدشنا يلعبون لعبة القط والفأر، إذًا التدخل الأمني تنصل للواقعية، وأن أفكارنا للحلول للأزمة في مركز دشنا غير واقعية.

قال لي أحد أبناء قريتي الذي يحمل وشم المعارك النارية: أنا لا أخشى الشرطة ولكن أخشى خصمي وجاري أن يكسر نفسي -على حد تعبيره- وأخشى من كلام الناس إن تركت سلاحي وتبرأت من عائلات وقلت إني مسالم، إذن أصبح التسلح من ثوابت التفكير لدى أهالينا بدشنا، لو كان الثابت مفيدًا لما اقتنع الناس أن الأرض تدور حول الشمس، بل لما زال الاعتقاد أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها.

أن نتعب أنفسنا بالحقيقة خير أن نسعدها بالوهم، فلذلك دفع أهالي دشنا ثمنا باهظًا وعشرات الشهداء من جيل الشباب، ألا يكفي لنعترف بالحقائق لتكون أهدافنا واقعية، أم يجب أن نحافظ على ثوابت تؤهل لإبادة الجيل القادم من الأطفال كمشاريع شهداء ولأجل ماذا؟!

لذا نحتاج للتدخل الثقافي وتغيير المفاهيم لدى أهالينا بدشنا، ولا يكون ذلك إلا بمشروع ثقافي جامع تحت سقف الدستور، يشارك جميع أهالي دشنا في وضع لائحة داخلية تضمن مشاركة جميع القبائل، ويأتي دور قصر الثقافة في عقد ندوات للتوعية بأهمية الالتزام ببنود اللائحة، فنحن بدشنا قبائل وطوائف لا أكثر ويجب أن نحارب ترسيخ مفاهيم التسلح العفنة المتجذرة في عقولنا، كفانا جلد لأنفسنا وندعي أن التدخل الشرطي هو الحل، هذا مفهوم براق لا يمت للواقع بصلة، فالتدخل الأمني داعمينه من رموز القبائل يفكرون عنا ونحن لم نبلغ مرحله الرشد بعد.