بناء الإنسان يعني بناء الوطن، وذلك يتعاظم دور المدرسة في صناعة الوطن، ولكي تنجز المدرسة دورها علينا أن نلقي نظرة على عناصر العملية التعليمية الحالية، فنبدأ بالمدخل الأساسي لتطوير العملية التعليمية هو المعلم، كان في الماضي له احترامه وهيبته، فهو مربي أجيال وصاحب مكانة عالية، فكان أحدنا إذا رآه في الشارع مقبل يخفي وجهه خشية أن يراه ويعود إلى منزله مسرعًا، أما اليوم فمعظمهم مغلوب على أمره وليست بيده حيلة، رغم أنهم أصحاب رسالة، في الوقت الحالي فقد المعلم تعظيمه وتوقيره وأصبح مادة للسخرية في جميع الأوساط الإعلامية، فيتخرج الطالب من كلية التربية معقد ويعقد حتى أسرته، فمدارسنا اليوم تعلم ولا تربي.
أما بالنسبة للمتعلم فمدارسنا أصبحت استديو لتصوير السيلفي بالملابس الجديدة في أروقة المدرسة، فالمتعلم مشغول بدروسه الخصوصية الخارجية، لذا الفاعلية التعليمية من خارج المدرسة وليست من داخلها، وأكبر دليل على ذلك نسب الغياب المرتفعة مع ارتفاع درجات التلميذ مع التحصيل.
أما بالنسبة لمناهجنا التعليمية هنا الحديث يطول والمعاني مرة المذاق، هناك قاعدة تقول أن داعش يتمدد سياسيًا وتربويًا واقتصاديا وتنحصر عسكريا، وأزمة المناهج المدرسية قبل داعش مرت بمنهجية عالية من خلالها وبمواربة الأبواب استشرت بفكرها المتطرف بأغلب المفاصل بعد أن وضعت الجسد في السرطان وفصلت الجسد عن الرأس وعن همومه ومعاناته وقاعدته الشعبية، مما يجعلنا نتصور أن هذه المناهج مقررة ومجهزة للدولة الداعشية، وعندما سقطت أحلامهم لجأوا إلى دواعش الداخل، لذلك لا تجد أي صورة على أغلفة مناهجنا لأبطال جيشنا الباسل الذي ضحى بنفسه لكي يهزم الفكر المتطرف الذي ندرسه لأطفالنا، إنها طاحونة عميان، فنجد أن الفساد منظم والإصلاح عشوائي، فهناك من يخطط في الظل ومن ينفذ في العلن من خلال المناهج، أننا بحق انتصرنا جغرافيا على داعش في سيناء ولكن هزمتنا ايديولوجيا، فمازلت مناهجنا تصنع بيئة حاضنة للأفكار المتطرفة، أن الأزمة لم تبدأ بداعش لتنتهي بانتهائها، فهي في كل الدول العربية، لذلك يجب أن يكون الإصلاح جذري ونتيجته طبيعية.
ما يهمني في المناهج التربوية النوع وليس الكم، والمضمون وليس الشكل والحجم، فتناسق صور الأغلفة الخارجية يجب أن يكون نابع من محتوى تلك الكتب، وأيضا توظيف المناهج فيما يفيد الطلاب في حياتهم اليومية والمستقبلية، “المهارات الحياتية”، ولا سيما في مناهج تعليم اللغات الأجنبية، وهذا ما يسمى بتوظيف اللغة أي أن يتعلم الكلمات والمصطلحات التي ستفيده مستقبلا إن سافر لدولة أجنبية، كيف يتحدث مع موظف المطار، كيف يطلب تاكسي، كيف يستأجر غرفه في فندق وكيف يسجل في جامعه وكيف يسوق متطلباته، ليس كما موجود في مناهج اللغة الإنجليزية فلا يوجد درس لتوظيف اللغة، فهل يعقل أن يدرس الطالب درس عن أنواع الآلات الموسيقية والأكلات الأجنبية التي لم يراها ولم يتذوقها في الصف السادس الابتدائي؟!.
ما يهمني هو سهولة ويسر إيصال المعلومة للطالب أو الفكرة عن طريق التعلم النشط وليس أسلوب كتاب المطبخ، ما يهمني هو تعزيز وترسيخ الحضارة المصرية في تلك المناهج وليست حضارة العرب فحضارة المصريين أعرق من حضارة العرب بـ” 7الاف سنة”، ما يهمني هو التركيز على الشخصيات المصرية في كل الكتب من شعراء وفنانين وموسيقيين وقاده ومفكرين وفلاسفة من الفراعنة العظام ولدينا منهم الكثير وليست التركيز على شخصيات من الجزيرة العربية لا يجمع عليها المصريين ولا تاريخ إلا في سفك الدماء واقتناء الجواري وتعذيب الشعراء والعلماء.
ما يهمني أن لا يتشوه العمود الفقري للطفل المصري في اضطراره لحمل حقيبة مدرسية مليئة بالكتب والدفاتر تصل في بعض الأحيان ثلث وزن الطفل، ما يهمني ألا يعود التلميذ إلى بيته ومعه واجب منزلي يضطر إلى الاستعانة بأهله أو معلم خصوصي نتيجة لصعوبته إدراكه للمناهج التي يدرسها.