من يفهم طبيعة الموسيقى يعرف أنها من الأدلة المادية على وجود الله، لأن ما فيها من عذوبة وتناسق يشير إلى عقل كامل مطلق القدرة لا يحده الزمان والمكان، عقل جمع نغمات كمال الجمال، له روح علوية لا متناهية في الدقة، فلست حزينا لأن الناس يشكون في الحقيقة بل حزينا على أن أراهم يقبلون بالباطل، فعقل الإنسان عليه أن يكون شديد التواضع مع عظمه الله وحكمته، أنني أؤمن بالله الذي يعبر عن وجوده كل جميل بالكون في كل لحظة.

فالموسيقى الهادفة لها حسناتها، وهي أفضل بكثير من عبادات بعض المنافقين، والموسيقى ألغت احتمال أن تكون الحياة مجرد صدفة؛ لما فيها من خيال ونمنمات روحية كشفت لنا أن هناك كمال الجمال متجذر في جذر الوتر، فيضه من لدن إله جميل، وهي تمنح الكون روحا وتعطي الخيال أجنحة وتجعلك تحلق برحلة إلى الجمال، إنها تمنح الحياة لكل شيء، تطرب لها الأشجار، وتأتي من خلفها الأشعار، وتهتز لها قلوب الجبال الراسية والدواب السائرة، لكن أعداء الجمال جعلوا من دين الرحمة مسلسل رعب نتابع أحداثه في النشرات الإخبارية، يحرمون الموسيقى ويقولون من سمع مزمار الدنيا لا يسمع مزمار الآخرة، بل يؤكدون على أنها مزمار الشيطان، إذا كان المزمار محرما لماذا جعله الله في الآخرة؟ إن كان محرما لماذا نزل الوحي على نبينا داوود عليه السلام بالمزامير؟ هناك أسماء كثيرة، لماذا أختار الله هذا الإسم حتى لقب به صحف داوود؟

في مذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي في كتابه “طوق الحمامة” ساق لنا أدلة تدف دفيف الحمامة على أن الموسيقى حلال لا يقدرون أعداء الجمال على ردها، فكان الأحباش يغنون أمام رسولنا الكريم، وأيضا استقبل الأنصار رسولنا بالغناء يوم هجرته للمدينة، التي أنار فيها كل شيء، يقولون إن الموسيقى لهو حديث، ونحن نقول لهم إن لهو الحديث المذكور في القرآن الكريم بسوره لقمان مقصود به كل حديث يمنعك عن الواجبات العظمى، بل إذا جلست تذكر الله ومنعك هذا الذكر عن القيام بواجب إطفاء حريق نشب في بيت جارك لكان ذكرك لهو حديث.

إن في عقول من يحرمون الموسيقى رواسب شيطانية، وأعتقد أن الهدف من ذلك أن نكون صيدا سهلا للاكتئاب والإحباط والكبت، وبالتالي يسهل عليهم بعد أن سودوا الدنيا في أعيننا أن يلبسونا حزاما ناسفا ونفجر أنفسنا في خلق الله، المنطق يقول إن الإنسان الذي لا يسمع الموسيقى ولا يقتل ولا يسرق ولا يغتصب بسبب خوفه من النار إنسان خطير على نفسه والمجتمع، لأنه قادر على أن يغني ويسرق ويغتصب من أجل الجنة أيضا، المنطق يقول إن أغبى ما وصل إليه هؤلاء هو تصورهم بأن الله عدو الجمال، وأنه بحاجة إلى جيش يدافع عن دينه، وهو خالق الجمال وقادر على كل شيء.