في هذا الزمن المعادي للمعلومة المفيدة والذي يعتمد على التقليد والاستسهال وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، انحرف مفهوم المعرفة وأصبحت ثقافة المعلومة، كلمات متقاطعة نبحث عن مدلولاتها من خلال الصفحات والحسابات الخاصة على مواقع التواصل.

لطالما درجت مجتمعاتنا على التباهي بثقافة العناوين وجهل المضامين فيكفي القول هل سمعت بالكاتب الفلاني؟ وتعرف مؤلفاته كذا وكذا؟ مع جهل محتوى تلك المؤلفات أو تاريخ الكاتب ذاته، وكذلك ما درج عليه الناس وخاصة مستخدمي مواقع التواصل لحكم وأمثال وأقوال دون الانتباه للمغزى الحقيقي لها أو معرفة مناسبة قولها وغالبًا ما يتم وضعها في غير سياقها، الأمر الذي يكشف عن جهل ثقافي معرفي فاضح بمجتمعاتنا بشرائحها المتنوعة والسبب هو السطحية في التقاط المعلومة وضعف الفعل المعرفي التثقيفي إن كان أكاديميا عن طريق المناهج أو شخصيًا عن طريق التثقيف الذاتي، الأمر الذي يكشف عن خطورة الاضمحلال الثقافي الحالي ويطلق صافرة إنذار لتدارك ذلك بطريقة أو بأخرى، وهنا أذكر بالخير ولو لم يكن ذلك في زماني” تجربة الصالونات الأدبية والثقافية” التي درجت في الماضي.

الخوف كل الخوف عن الأجيال القادمة التي سترث هذه الأنماط من التفكير السلبي القائم على ترسيخ مفهوم ثقافة.. ما أطول نهر؟.. ما ارتفاع جبل كذا؟ وما عاصمة دولة كذا؟ فالثقافة الحقيقية هي تكامل المعارف وصياغة الإنسان فكر خاص به عن الحياة والوجود من خلال تجاربه وفهمه فبدون المعرفة علميًا لا قيمة لثقافة التواريخ والأرقام على أهميتها إذ لا معنى لمعرفة حدث بدون معرفة السياق التاريخي أو العلمي له.

هذا الأسلوب في مواقع التواصل الاجتماعي يسطح الثقافة ويرفقها من قيمتها وهدفها الحقيقي وقد يرجع هذا الأسلوب في الثقافة إلى نظام تعليمنا فما زالت امتحاناتنا في كل المراحل بما في ذلك الجامعية تعتمد على نمط قيام حفظ المتعلم وليس فهمه واستيعابه وتحليله.

المضحك من ذكرياتي وقد درست في كلية التربية في أواخر التسعينات وأوائل الألفية فكان هناك أساليب وطرق تدريس رائعة تعتمد على المدرسة السلوكية وغير ذلك وكان هناك هجوم على أسلوب التعليم القديم، المهم أن امتحاناتنا كلها كانت تقيس الحفظ وتعتمد المقالة وأسلوب السؤال ذو الـ48 علامة.. أي نعم أم لا؟

يبدو أن القديم والجديد في تعليمنا يصب في نفس المصب فهنا يبرز المشروع الوطني الذي يؤسس لدولة المؤسسات الحقيقية وهو دور وزارة الثقافة مشتركة مع وزارة التربية والتعليم ويهدف إلى اكتساب موهبة البحث العلمي والانتقال بالمعرفة إلى التحريض وبناء العقل النقدي التحليلي المعرفي.

فالمعرفة نوعية لا تعتمد ع الكم أي القليل منها جيد أفضل من الكثير منها ردئ وهى مترابطة جدليًا بين عناصرها، فيها العقل يحرض على البحث والنقد هي منظومة متكاملة تعتمد على الاستفادة من المعلومات التي نحصل عليها لا بل يتم البحث عن المعلومة المطلوبة أو المفقودة بعينها بما يخدم الفكرة التي يتم البحث فيها فهنا يتحول التفكير من طريقة في المناهج إلى طريقة في الحياة وبذلك نبني المواطن المثقف في عصر الانفجار المعرفي.