ذات ليلة رأيت في منامي أحمس الفرعوني في قاعة كبرى شاسعة لا نهاية لها، سألني من أنت؟ فقلت: أنا مصري.. فقال: ملامحك تبدو غريبة عن شعبي من أنت؟ ومن أين أتيت؟ فرددت: أنا مصري في قنا ميلادي، فقال: يبدو أنك مهاجر، قلت: نعم، قال: من أنتم لتسكنوا مصر! ومن أنتم لتتحكموا بمصير مصر، ما أنتم إلا أشخاص هاجرتم من الدول المجاورة، وما أنتم إلا شعوب دول أخرى هربت من جحيم صحرائها وعورة جبالها لتنعموا بخير نيل بلادي.

قال لي بحده تتقفوا أثر الفكر الوهابي ثم يرجعكم إلى أصولكم من الوهلة الأولى، صدمت ثم بدأت الرد وقلت: سيدي محرر مصر العظيم، نحن أحفادك تسري في دمائنا جيناتك، فأننا امتداد عبر التاريخ لك، حافظت على آثارك ودافعت عن حدودي وآمنت بديني القائم على وحدة الإله، فتبسم أحمس ثم قال: من قال لك إنني لست موحد، نحن موحدين، ألم تقرأ ما قاله آتون عن الله: “ليس لي أب وليست لي أم، لقد خلقت نفسي من مياه المحيط وأنا الإله الأول في الكون وأخلق الآلهة الآخرين”.

كلنا نعبد إله واحد منذ القدم ولكن بطرق مختلفة فكان ديني يدعو للحضارة ونؤمن بيوم القيامة والحياة الآخرة والبعث والخلود، لذلك حنطنا أجسادنا وبنينا المقابر والأهرامات وآثارنا خير شاهد ودليل.

مصر شيء عظيم أما أنتم فمسافرون على دواب التاريخ عابرون كمياه النيل، أعدائنا لم يتغيروا عبر التاريخ، الهكسوس هي إسرائيل مملكة الرعاة، وإثيوبيا أيضا، قديما صمدنا وطردنا الأعداء إلا أن في زمانكم تغلغل الإسرائيليين في ثيابكم، وها هم الأحباش يقطعون عنكم المياه، وأنت تجلس في قناك القرفصاء وأفكاركم تباع وغيركم يقبض الثمن، فصار علمائكم مرتزقة بدلا من أن يكونوا مخلدون على الجدران، أما عن الإرهاب في زمانكم فاعلم أن اليد التي تقتل الناس لا تدخل جنة الخلد ولو صلت وصامت.

إذا كان دينك هو الدين الصحيح الذي أتى به الله، من المنطقي جدًا أن الله سيهتم بدينه، ولن يدعه يزول أو ينتهي، الله قادر على كل شيء، لن يحتاج إلى مجموعة من القتلة التي تقطع الرؤوس خوفا من زوال دينه أو حتى في نشره، إذا كان الله هو من أرسل هذا الدين فالأكيد أنه سيتكفل بصونه وحمايته.

علموا ذلك للمصريين إن التعصب المقرون بالدين والجهل كان أساس البلاء عبر العصور فلم تعلو مصر إلا بإدراك معنى الإنسانية كما أدركناها في زماني، ولتعلم أن ديانتنا الفرعونية استمرت 4 آلاف سنة، وكذلك السامورية أكثر من 3 آلاف سنة وأصبحت في زمانكم خرافات.

ما زال أمن مصر اسم له واقع في الذاكرة ويسير الشجن والحنين إنها مصر العزيزة الباسلة الأثيرة بمدنها وشوارعها وحدائقها وبيوتها الذهبية ونكهتها التي يعرفها المصريين وحدهم ويميزونها عن كل العصور، تتميز بلهجتها في صعيدها ودلتاها وأصواتها المميزة التي تميزها المصريون أينما سافروا أو تغربوا شرقًا وغربًا. فإن حافظتم على مصر ستكونون أنتم أحفادي من يصونون بيتي ويرفعون اسمي.