الساعة تقترب من الثالثة صباحا، بدا ميدان الجيزة كمن يخلو من المارة، في شتاء قارص، كنت أتخطاه، عائدا من سهرة تقفيل عمل في صحيفة ما.. إيديا في جيوبي وقلبي طرب، حين استوقفتني دورية شرطة، وطلب مني ضابطها البطاقة، وحين أعطيتها له، وسألني: دشنا، وأجبت بـ: آه، إن شاء الله، أشار إلى سيارة البوكس، لأركب!

حدثت هذه الواقعة في شتاء 2004 تقريبا، وفي بطاقتي لا يزال مكتوبا، المهنة: طالب، وبطارية تليفوني وقفت ضدي يومها، في مشهد أتذكر أنه لم يكن لطيفا بالمرة.

دعك من التفاصيل، فما أريد أن أضع تحته خط، هي تلك الصورة النمطية، التي ساوت بين دشنا والجريمة، في عقل رجل من الشرطة.

أن تكون التهمة: من دشنا!

كثير ما يستحضر المشهد نفسه، فأستحضر معه التهمة، وأفكر فيها، وأتسائل: هل نحن أبناء دشنا بالفعل مجرمون؟ تطلعني الصحف يوميا بقضايا الثأر والدم، فتبدو فيها صورتنا، كمن لا يعرف سوى الإجرام.. طريق، وحين يسوقني حنيني الدائم، لأبو دياب شرق، قريتي.. أجدنا غلابة، ضحايا، يتساوى في ذلك حتى من أطلق الرصاص، مع من استقبله بصدره.

ليس عيبا أن نكون قبليون، ففي القبلية الشرف والعزة والكرامة وحسن الضيافة واحترام الكبير، ولكن العيب أن نترك كل هذا، ونتمسك بما يجعل مصيرنا متساو بما ينشر الأذى، ويُبقي على الفقر والجهل والمرض، ونحن نتحدث عن الأقدار.

أنا لا أتحدث عن الثأر فقط، أنا أتحدث عن كل ما هو خاص بنا، وكان سببا في معاناتنا.

لا أتحدث عن دور الحكومة، فلا دور للحكومة من الأساس، أنا أتحدث عن دور أبناء الصعيد، أنفسهم، فيما وصلوا إليه من نسب مفزعة في الفقر والمرض والقتل والهلاك، نسب تخصهم هم بالدرجة الأولى.

وأنا لا أحدد أبناء الصعيد بدافع شعور من الاضطهاد، يجعلني ممن يرون المسألة بمنظور ضيق، يفنط أبناء الوطن الواحد، بعد أن يقسمهم إلى بحاروة وصعايدة وفلاحين، ويجعل من التعدد نقطة ضعف لا قوة.

فأنا مؤمن، بأن قوة مصر الحقيقة، وكما يقول تاريخها، في التنوع الذي تزخر به، وفي قدرتها على احتواء الجميع، في تجانس يخلق لها هوية، خاص بها، تجعلها مصر لا غيرها.

كإيماني، بأن الإنتماء للوطن يبدأ من الانتماء للأسرة والعائلة، فمكان الميلاد يبدأ من الانتماء للأهل.

سعيد بالكتابة عنكم لكم، ونستكمل الأسبوع المقبل.

آه، نسيت، أريد أن أقول للضابط: أنا من دشنا، ليس من ديش العدو.