في كل دور أو شخصية يقوم بها ممثل نحبه ونحترم أعماله المختلفة، نبحث عن الزوايا التي من خلالها نستطيع أن نعرف هل نجح في أن يخلق لنا شخصية تعيش معنا؟! أم أنها مجرد دراما معروضة من أجل المكسب المادي لا المعنوي؟! هل ترك فينا تساؤلات عن ماهية تلك الشخصية؟! ومن أين أتت لنا من هذا العالم البعيد؟! هل نجح في أن يصنع بطلا نتذكره ننقل عنه كلماته ونرددها في جلسات مختلفة؟!

هذا ما فعله بنا خالد النبوي، حينما قدم لنا دَاوُدَ باشا وجاريته جوهر “المطربة نواعم” في حديث الصباح والمساء، والصاغ محمود عبدالظاهر وجاريته نعمه “مها نصار” في واحة الغروب، فكلا منهم عالم يشترك فيه الحب، ولكن تختلف فيه النهاية.

رسم لنا العمل الدرامي من خلال هؤلاء، عالم موازي نعيش فيه، ندور جنبًا إلى جنب مع أحداثه، نتفاعل معه بكل جوارحنا، في الانفعالات، الشغف، الحب، حتى في الكراهية، شخصيتي “دَاوُدَ باشا” والصاغ “محمود عبدالظاهر” قدما لنا نموذجا نتعرف من خلاله علي تلك الحقبة الزمنية التي تغيب عن الجيل الجديد نعيش معه، وكشفوا لنا عن الحب الحقيقي الذي يعيش فينا حينما يكون سبيلا للنجاة، يساعدنا علي تحمل كل ما نواجهه، حتى وإن كانت تلك المواجهات تكلفنا الكثير والكثير، تبعدنا عن حياتنا الأصلية في سبيل الدفء والعشق والتناغم والتآلف الروحي، وماهية الحياة حتى انتهائها، وكشفوا أيضا عن الحب الذي يجرفنا إلى أرض بور، ويرشدنا إلى الدمار حينما نضعه أمام كبريائنا فينتهي بِنَا المطاف إلى نهاية تكلفنا الانهيار والعذاب بين طيات الفراق ومحاولة النسيان، وتعويض ذلك بتجربة جديدة قد تنجح أو تفشل، الجاريتين “جوهر ونعمة” هما السر في أن نتعرف علي ذلك الحب الكامن الذي يعيش معك للنهاية تشعر به في روحك أو يطاردك كلما حاولت نسيانه.

الشخصيتان صدرا لنا كيف يتعامل هؤلاء مع الجواري كيف يقع كلا مهم في حبهم وعشقهم، فعلاقة “داود الباشا” مع جاريته “جوهر”، مختلفة، أحبها حبًا مليء بالدفء والحنان، تخلى عن كل شيء، عن المال وعائلته وزوجته “سنية هانم الوراق”، عاش معها في منزله القديم بمنطقة الغورية ليقضي معها أفضل أيام حياته، فهي منحته كل ما يبحث عنه ويفتقده فأحبته بصدق، وساندته منذ أن ترك زوجته حتى وفاته على أريكته القديمة.

أما حب الجارية نعمة لمحمود عبدالظاهر لم يكتمل بالرغم من شعور كلا منهم بالكمال الروحي والاندماج الكامل حبًا وعلاقة، فهو بالنسبة لها سيدها ومالك أمرها، تعشقه وتحكي له حكايات تطربه وتشجنه، وتجعل من روحه هائمة في الحب، أما هو فيعتبرها “حضنه”، وملاذه الذي يلجأ له عندما تزداد همومه بالرغم من ذلك لم يعلن “محمود” عن حبه لـ”نعمة”، وكانت كل تصرفاته تؤكد أنها تحظى بمكانة خاصة في قلبه، ولكنه تمرد عليها ورحلت بعيدًا حينما أحست بتكبر قلبه وطغيان شخصيته، ولكنه بعدها كان يعانى معاناة شديدة تجلت في علاقته فيما بعد مع الفتاه الايرلندية “كاثرين ” ورحلته المشوقة إلى واحة سيوه، وأحلامه التي كانت تراوده وتظهر فيها نعمة بصورة جلية.

النبوي نجح في أن يرسم لنا شخصية دَاوُدَ تعيش معنا علي مر السنين الماضية، كلما مر موقف يشابه مواقف الباشا من خلال طباعه وعلاقته الشخصية والاجتماعية وحبه الذي كان يوزعه على الجميع حينما يلتقي بهم، لفظ “الله” الذي كان يطلقه حينما يكون هائما في الحب والتي تشعر معها بحلاوة الكلمة ومعناها، أما شخصية “محمود عبدالظاهر” عشنا معها أحداث الإسكندرية والثورة العرابية ودور الضباط الوطنين فتحت لنا سبيلا للتعرف على واحة سيوه، عاداتهم وتقاليدهم التي كانت غائبة عنا النبوي جعلنا نتمنى لقاء داود باشا في الماضي البعيد، وأرسل لنا محمود عبدالظاهر لنتعرف عليه في عالم جديد نحاول اكتشافه في المستقبل القريب.